منتدى الطريق للحق.. بإدراة المحامي حسن موسى الطراونة
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم...... يشرفنا أن تقوم بالتسجيل ...

الكرك في التاريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الكرك في التاريخ

مُساهمة  المحامي حسن الطراونة في الإثنين مايو 31, 2010 10:38 pm

الكرك مائة عام من الحرية...د.خالد الكركي الاثنين, 22 مارس 2010 21:28 نبض الهيه


صباح الخير "يا أهل الهيّة"

صباح الخير أيها الشهداء


صباح الخير في الذكرى المئوية لصعودهم إلى حيث هم "أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" (آل عمران، آية 169)!

وها نحن بعد مائة عام نقرأ ثورتكم في سياقها الإنساني وأبعادها التاريخية، ترتسم لكم صورة باهرة من الخلق الكريم الوعر حين تُصادر الحريّات، ويُسلب الناسُ حقوقهم في الحياة.

مائة ُعامٍ ومضاربُ أهلي كما هي، والكرك بأهلها، يطوِّقون الليل بالنشيد الذي خرج من رحم المعاناة والرفض:

"يا سامي باشا ما نطيع"

فسلامٌ على الكرك عاصمة الحريّة والرفض من زمن جعفر البعيد إلى زمن الهيّة القريب.

* * * *

الكرك،

صمتٌ مهيبٌ وراء عزلة الجغرافيا، ودروب تقود إلى المقامات والذّرى التي تداول المؤرخون رواية حكاياتها: أمويةٌ وعبّاسيةٌ، وأيوبية، ومملوكية، وأردنية.

والكرك: أخوة الناس في الدين والحياة، صبرهم الجميل، وراياتهم الكريمة، وتعدّديّتهم السمحة. والكرك: شامٌ ثانية، وحنينٌ جعفريّ، ويا لوجع عبدالله بن جعفر وهو يصل مؤتة من اليرموك لزيارة ضريح أبيه روى الواقدي في فتوح الشام:

".. فاستأذنُ عبدالله بن جعفر من عمر في المسير إلى الشام. وقال: يا عبدالله بن أنيس أردتُّ أن ألحق بالشام، وأكون مجاهداً فهل لك أن تصحبني؟ قلت: نعم، فتودع عبدالله من عمه علياً وعمر رضي الله عنهما. وسرنا نريد الشام ومعنا عشرون فارساً من اليمن والأزد، حتى أتينا تبوك، فقال: يا ابن أنيس أتدري موضعاً قُتل فيه أبي؟ فقلتُ: نعم، فقال: أريد أن أرى الموضع، قال: فما زلتُ حتى أتينا الموضع، فأريتُه موضع مصرع أبيه، وموضع الوقعة وقبر أبيه فترامى عليه، وبكى ثم ترحّم عليه، فأقمنا عنده إلى صبيحة اليوم الثاني، فلما رحلنا رأيتُ عبدالله يبكي ووجهُه كالزعفران فسألتُه عن ذلك، فقال: رأيتُ أبي البارحة في النوم وعليه حُلّتان خضراوان وجناحان، وبيده سيفٌ مُشهرٌ أخضر فسلّمه إليَّ، وقال: يا بني قاتِل به أعداءك..".

فرحِّبوا يا أهل الهيّة بالكريم ابن الكريم، أبرز أجواد العرب، وشهيد الفتوحات، فوالله ما قرأتُ هذا الخبر إلا منذ زمن قريب، وقد كشف لي عن تقصيري أنني أكتب عن الروح الجعفرية ولا تصل قراءاتي إلى خبر عبدالله.

والكرك:

"أرى العنقاءَ تكبرُ أَنْ تُصادا"

وشطر الشعر من أبي العلاء المعرّي، وعجزه هو خير ما نصف به أهل الكرك إن مسّها ضُرّ وفيه:

"فعانِد من تطيق له عنادا"

أما هذه الكتابة عنها فليست من روح المعرّي وعنقائه، بل من روح صاحبه الّذي أحبَّ حتى الوجع.. أعني أبا الطيِّب المُتنبّي الذي رقَّ الشعرُ بين يديه حنيناً إلى حلب، فاتّكأتُ على وجعه حين مسّني في الهزيع الأخير من ذات سنة وجع الغياب عن أهلي الموزّعين بين الدور والأضرحة، يُطلّون على الكرك ومؤتة، وتطلّ عليهم المزار بعنفوان ملحمة مؤتة التي نحملها روحاً جعفريةً إلى آخر الزمان.

أعودُ إلى أبي الطيِّب:

أحنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءَهم

وأين من المشتاق عنقاءُ مُغرِبُ

وأوغِلُ في الذاكرة الجاهلية للشعر حتى أقفَ عند "اليمامة" التي "أعرضت واشمخرت" كما وصفها عمرو بن كلثوم وهو يُطلق حنينه البكر:

تذكّرتُ الصّبا واشتقتُ لمــا

رأيتُ حمولَها أصلاً حُدينا

وأعرضت اليمامة واشمَخَرَّتْ

كأسيافٍ بأيدي مُصلتيِنا

فليذهب الحنين كلّه إلى الكرك/ اليمامة/ حلب وإلى سيوف تاريخها العظيم.

الكرك:

"سقى الله أيام الصّبا ما يسّرها"، وها أنا أحاول الكتابة بلُغتي فيتسرب إيقاع أبي الطيب إلى أصابعي وحبر أقلامي، أردّه فإذا به مثل مطلع قصيدة المعرّي (العنقاء)، بل هو الذي يليق بالحضور إنْ حضرت.

الكرك، لي من اسمها علامةٌ عليَّ، ولي من مؤتة إشارات إلى أبنائي، ولي من مدرستها دفاتري ووجوه مُعلِّميَّ الكرام، ولي من شرفات قلعتها كتابي الذي قرأ أرضها اليباب: "بكى صاحبي لمّا". ولي فيها مستودع الأهل من بني غسان، ولي فيها ذاكرة المدينة الأم المطلة على كل ما حولها بشموخ وكبرياء.

أعود إلى الهيّة وإلى أوائل القرن العشرين وأُذكِّرُ كيف أن هذه الانتفاضة ومثيلتها في جبل العرب قد شكّلتا معاً مقدمةً لحركة التحرُّر والثورة، ولعل منصور الأطرش في سيرته الذاتية قد أنصف أهلنا حين تحدث عن إقامة الثائر الكبير والده سلطان في الكرك في ثلاثينيات القرن الماضي كما أشار إلى اللقاء الذي كان يجري بين زعماء ثورة الكرك وبين زعماء من آل الأطرش في سجون العثمانيين، لذلك ظلّت الكرك قلعة الحرية المنيعة ولا أظنها خضعت ذات يوم لمُحتلٍّ أو غريب.

وأُسجِّلُ هنا لمنصور الأطرش هذه اللغة الحميمة التي حملت قوله: "فأنا كوني كركياً وحتى بعد أن عُدتُّ إلى سورية فما التقيتُ أردنياً إلا وذكرنا الكرك وأجرينا حديثاً باللهجة المألوفة". ولعلّي أغضّ الكتابة هنا عن المدح الذي سجّله منصور لأهل الكرك فقد كرّمها بذلك وأقول إنهم، على الرغم من كل التحولات على العهد بهم ويصحُّ فيهم ما قاله أحد الطائيين في حاتم:

ومنّا الذي قد جاد حياً بنفسه

وجاد على أضيافه وهو في القبر

الكرك والهيّة والخلق الوعر ثلاثةٌ لا تنفصل، وهي التي ذهبت معاً تقاتل في حطين وعين جالوت ومعارك الثورة، ثم على أسوار القدس، وفتىً من أهل "قرية الثنية" يصبح موضوعاً لقصة جميلة كتبها محمود سيف الدين الإيراني مدير مدرسة الكرك في زمن بعيد ..كان الفتى يهزج حين تتراءى له القلعة وهو على أسوار القدس:

"اضرب رصاص خلي رصاصك صايب"

الكرك،

هذه المترفّعة الكريمة الفصيحة، عاصمة الروح قبل أن تكون عاصمة الثقافة نعتذر لها عن حالتها فنحن في حقِّها مُقصِّرون ونقرأُ في كفّيها شيئاً من إيقاعِ شوقي:

اختلاف النهار والليل يُنســـي

اذكرا لي الصبا وأيام أُنســي

وسلا (مصر) هل سلا القلب عنها

أم أسى جرحها الزمان المؤسي

الكرك، وأقول:

لو كانت الجغرافية مُحدِّداً لجمال المكان لأخذت الكرك صفة عادية، فهي ليست تجارية أو ساحلية أو ذات خضرة دائمة، هي ليست مشهورة لأي من ذلك، البحر الميت، والصحراء بمثل ما هي، حدها المكتوب عليها أن تراه شرقاً، فإنها تواجهك حين تنحدر منها جنوباً في الطريق إلى غزة، وما غربها إلا الخليل.. هناك تطلُّ القلعة على الحرم وتُسلِّمُ على ساكنيه.. إنها سؤال الجغرافية.

الكرك ظهرُ مصر، وعمق الحجاز، ومحطة مهمّة في الطريق إلى بيت الله الذي لا ينتهي السفر إليه إلا بانتهاء آجالنا.. كأن المكتوب عليها أن تكون حالة جغرافية هائلة في الثبات والصبر، هي بين القبلتين مكة والقدس، هي المدينة التي لم تخرج من الأسوار كما هي صنعاء والقيروان.. أنت تدخل من الباب الشرقي وكأنك تدخل عالم القُدرة اللامتناهي.. السراي الكبير والقابون (المخفر/ السجن) وإلى الشرق تنحدر نحو السوق حيث الفراء والعشي والبابور ودار البلدية.. عالم العبث هناك يكمن في الجغرافيا، وهناك تدرك طوعاً أن الناس ما كان عليهم إلا أن ينضموا إلى عزلتهم كلما ضاق الزمان عليهم.. لكنها عزلة إلى حين!!

تُصبح الكرك وتُمسي وهي ترقب الأمم تتقاتل على أسوارها وأمام أبوابها، ميشع كان يعزف لحن المملكة، والغساسنة كانوا حاضرين بروحهم الواثبة، وهم "يسقون من ورد البريص عليهم"، والصليبيون جاؤوا وقفلوا خائبين.. لكنها في الضيق والعسر كان لها أن تفرح وإذا بابنة أرناط ترسل لصلاح الدين ملتمسة منه أن يخفف الوطءَ لأن "الحارة الشمالية الغربية" كانت تشهد عرساً وما كان من الكبير الخالد صلاح الدين إلا أن يستجيب لإنسانيته..!!

أسفل القلعة كان السيل يأتي مراراً منحدراً فيفيض على الأرض. ويجرف عشرة آلاف شجرة جوز ذات عام بعيد، لكن السيل الذي يدمر مرة كان يعيد الروح إلى عين سارة مرات فتتدفق الحياة من جديد..

حول الكرك كانت الأممُ متدافعةً والدنيا كانت حاضرة، وما عليك إلا أن تختار، فهي في قلب المثلث الحضاري؛ البتراء جنوباً والشام شمالاً والقدس غرباً وإن شئتَ بغداد شرقاً.. هذه الجغرافية فرضت عليها أن تنكمش حيناً، لكن إن وجدت فرصة كان بإمكانها أن تقدم للأمة عالماً كبيراً بمستوى ابن القفّ الكركي.. أو تقدم ثائراً ضد الاستبداد بمنزلة يحيى الكركي.. أو تهدي مصر قاضياً للقضاة.. أو تتحول إلى مملكة. والممالك لا تقوم باتساعها أو عنفوان جيوشها، بل ثمّة لحظة ما تجعلها في الصدارة، وهكذا كانت الكرك ترتسم بين عامَيْ 1834 و1910م بقلعتها شامخة في وجه الغزو المصري دفاعاً عن شرف قاسم الأحمد بقيادة شيخها إبراهيم الضمور، ثم كانت مع "الهيّة 1910" ترفع سؤال الحرية ضد الاستبداد.. فإذا به يُلقي بأبنائها من القلعة التي أنجبت "سنوات الغضب" فيها قامة كبيرة بمستوى قدر المجالي..

قدر المدينة هو الجغرافية.. وقد جعلتها العزلة قادرة أن تظل مملكة وملاذاً للأحرار، وحين تململت قبل قرن كانت موعودة لتقدم للأمة النذر الكبير الذي انتهى بسجن بناتها (مشخص وبندر بنات فارس المجالي) وظلّت الشقيقة شفق مطاردة، بيد أن مشخص زوجة رفيفان أنجبت حابس المجالي هناك، وما كان لبندر إلا أن تُمنّي نفسها بعودة زوجها الثائر الكبير قدر المجالي من دمشق، لكن لا الزوج قدر عاد ولا الشقيق صحن آب، إذ رقت روحهما بعد سنوات على الهيّة في دمشق، وكأنها قربان لحرية الكرك.

أقول:

"يا قاسيون أفق

فما زالت عيون بني

أبيك على مرايا الياسمين

ومجد غسان الأثيل..

هذه مضاربهم تراءت في الضحى

وأرى قوافل ضج فيها الضوء

والعطر المؤابي

المخبأ في الهوى والحزنِ

والريحان والوجع النبيل.."

نعم قاتل الكركيون قبل قرن، وظهورهم إلى جدار القلعة.. وحُمل أبناؤها وأُلقوا في ظاهر قلعة دمشق لكن صلة الوصل لم تنقطع، فما لبث الشوام أن استقروا فيها بعد الثورة الكبرى، وكانوا جزءاً من نسيجها ومجتمعها المتعدد، ثم كان لها أن تستضيف زعيم ثورة جبل العرب سلطان باشا الأطرش ثائراً ورفاقه، واستقبلته مناضلاً كبيراً وضيفاً عزيزاً رغم أنف الفرنسيين والإنجليز.

وأقول، والدنيا تطلّ على نُذرٍ بالشرّ في زمن الاستعمار الجديد:

لم يألُ العثمانيون جهداً، حصاراً وسبياً، ولكن "كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة".. ميشع ومؤتة التي صدت وقهرت بها قوى كبرى ما لبثت أن عادت، وكأن التاريخ يقرأ بأثره الحاضر، لأن ليس للمرء هناك من خيارات أخرى.. نحن في الكرك نملك الإحساس بذاتنا.. وأمام القلعة نقرأ دفتر الوطن الذي جعل الكرك خياراً لباحث كبير مثل بيتر جوبسر لتكون عنواناً ودرساً لحاضرة عربية تحمل كل أشكال التنوع بعد العام 1967م.

والكرك مدينة معتّقة.. فيها كرام قبائلها، وفيها البعث والتحرير والإخوان المسلمون، والماركسيّون، وقوى للحياة كامنة، ولكن المكان المُنفتح على صوت الأمة من تطوان غرباً إلى قلهات شرقاً مروراً بالقاهرة يجعل المدينة لا تملك إلا أن تُحمِّل نفسها ما لا يُستطاع.

صوت:

"فإنْ تكن الأيام فينا تبدّلَتْ

بحُسنى ونُعمى والحوادث تفعل

فما ليّنت مِنّا قناةً صليبةً

ولا ذلّلتْنا للّتي ليس تجملُ

ولكن رحلناها نفوساً كريمةً

تُحمّلُ ما لا يُستطاع فتَحمِلُ"

إنها الكرك، موارة سياسياً، ورؤوفة بالغريب، ووعي ناسها حادٌّ، فهي مدينة تحتفي بالشهداء وأعيان الأمة، وتسابق الأيدولوجيات الكبرى فتؤبن المناضلين بلا وجل. لأنه ليس فيها إلا سؤال كبير.. وهو سؤال الحرية.

على خفر يولد الفجر هناك، ثم ما يلبث النهار يشتد في حالة من الترقب والرغبة الجامحة التي تواجه سؤال أي قادم للسوق الكبير عن أنباء الأمة التي يحملها معه للمدينة، وإذ سُئلْتُ "وأيّ المدن أحب؟ أقول: تلك التي فيها قلب من أحب".. هي وطن المزارع والكرمة والبساتين والتين والزيتون وأهل الهوى.. أنت موجود هناك وما عليك إلا أن تسعى للرزق أو تتقدم إليها مبدعاً حتى تقبلك..

والكرك موغلةٌ في الحب أو الزهد أو الرفض والاحتجاج ممّا يوصلها إلى حدّ التمرد الجميل، وليس في الكرك وطنية ضيقة.. ثمة عروبة وإسلام مكتملان، هناك حزن كبير للكركيين على فلسطين؛ لأنها في شاخص نظرهم، وعلى مسافة وجد الشقيق على الشقيق.

إليها جاء المعلمون الأوائل في الأربعينيات وزمن الوحدة وربيع الوطن، أذكر الشهيد ماجد أبو شرار وهو يدّرس في المزار، وزهير محسن الذي درّس في الطفيلة، وطلال الريماوي، وبدر شاهين، وخالد أمين عبدالله.. وعبد الرحمن مصطفى الذي قدم من رام الله. قبلهم كان محمود سيف الدين الإيراني يكتب قصة الصوت وارتداده من فلسطين على أسوار الكرك، ولأن زمان الكرك سياسي ومعرفي بامتياز فقد كان لها أن تستقبل سليمان النابلسي وذوقان الهنداوي ووصفي التل وحكمت الساكت معلّمين ورجال دولة كباراً.

الأودية المحيطة، أرنون شمالا واللجون شرقاً، واللعبان جنوبا، فيها عمق التاريخ وأسراره وأساطير العشق وحكايات الصمود، وأما إذا أتيت في يوم ماطر فتشعر أنك كنت غائباً دهراً..

الطفولة استودعتها بين القصبة والمزار، وحين أذكر ذلك الزمن أتذكر قول امرئ القيس:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك عينك إنما

نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

هناك في القرية (العدنانية) دفنت أعز الناس ولم أعد قادرا أن أرى الجديد.. حين تحلُ هناك تعرف معنى قدوم البدوي الموغل في الصحراء إلى حاضرة كبيرة في يوم أرهقه المطر.. هناك أزور الأمكنة وأحياناً لا أجد ما أتزود به.. بيد أني أطل على القلعة وأزور مؤتة.. وأشم رائحة الحرية وأتذكر قول أبي العلاء المعري:

"خفِّف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"

أزور سيدي جعفر، وأعقد الأمل من جديد، وأُسلِّم على زيد وعبدالله وأُقفل عائداً لعمّان بزهوٍ كبير وربما بحزنٍ أكبر..

الكرك اليوم وإن سألت ردّ الصدى الجواب من حلب إلى معان ومن الخليل إلى تهامة.. ترى أن المشروع الوطني بات مُتعثِّراً فكرياً ومعرفياً برغم الإشارات الإيجابية، بيد أن ما يبقى هو الحرية والموقف منها.. وإذا حافظ الكركيون عليها قد يحصلون على مكانة تليق بهم وتليق بتاريخهم.. وأرى أن رسالة الكرك لا تكتب أسطرها إلا بالمزيد من المعرفة والحرية.. لأن المشروع إذا لم يكن معرفياً فإنه سيموت.. الحرية هي نقيض الفقر والبطالة، وهذه الأمة شرطها الأول الحرية.. ويكفي أن يزرعها الكركيون فتنبت أقماراً تضيء عتم الأمم..

في الكرك عاصمة للثقافة أخشى أن يخرج المشروع دونما قراءة واعية للتحولات ومنها: الريف والمدينة.. الخروج عن خط قافلة الحج.. السلاطين والزوار.. ودنيا المدينة ومفرداتها اليومية وصوت الناس ونداءات السوق.. والليبرالي والدولة.. والوطني والأمة.. لكن، أبقى خائفاً على الكرك وعلى المتبقي من القيم.. قيم التسامح والمروءة التي تشغلني ونحتاج أن نرفع راياتها لتتحول بها الكرك أنموذجاً للتعددية في زمن الاستبداد والطوائف وضيق الأفق في الفضاء العربي القريب والبعيد.

الكرك قدرها أن تكون عنواناً كبيراً، هي مثل حلب تظل الأطراف تحتاجها وتسمع صوت حكيم الأمة أبي الطيب.. هي لم ترتبك مثل المدن الكبيرة لأنها قارة، ورزينة، وثقيلة إلا على من يحبونها..

أقول إن "ما يحدث ليس النهاية..." والحالة تنبئ بالجيد الجديد.. والسؤال ما زال كبيراً.. وعلى الرغم من أن الفجر أحياناً لا يبدو صافياً لأن الغبش يغلفه.. إلا أني أعود وأقول: ليس صعباً على المدينة أن تحضر بشكل بهيّ.. شريطة أن تنحاز إلى سؤال كبير مثل الشهداء.. وهنا أخشى أن تُنسى "الهية" بعد مائة عام، يوم كانت فعلاً ثورياً إنسانياً.. ولكننا نقول لا، يجب أن نُدخل "الهيّة" التاريخ الإنساني وأن نستحضر إبراهيم الضمور وقدر المجالي من جديد.. وأن نتذكر نيسان المجيد وتحولاته الكبيرة..

أُسلم على الكرك.. كأنها "ربع عزة" وأقف أمام ضريح فروة بن عمرو الجذامي، وتهتزُّ روحي للقاء ميشع مثلاً مقاوماً.. وتبقى مؤاب مقصدنا والحرية هي السبيل.

ختام:

"سأبدأُ فاتحةَ الحبّ من كفّ سارة،

من حفنة النور في وجهها العذبِ،

من غافيات الينابيع،

من صوت أُمّي تهدهد سارة حتى تنامْ،

سأخلعُ نعليَّ، هذا المقدّس وادي العطاش،

وقد جئتُ يذبحني ندمٌ سرمديٌّ

لأُلقي عليه بهيَّ الكلام،

سينهضُ أهلي،

هبّت رياح الجنوب،

ومنّا إلى شرفات الحنين سلام.

*رئيس الجامعة الاردنية
avatar
المحامي حسن الطراونة
Admin

عدد المساهمات : 312
تاريخ التسجيل : 14/05/2010
الموقع : hasan-tr.alafdal.net

http://hasan-tr.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى