منتدى الطريق للحق.. بإدراة المحامي حسن موسى الطراونة
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم...... يشرفنا أن تقوم بالتسجيل ...

وصايا الدكتور خالد الكركي ....تخريج الجامعة الاردنية 2010

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

وصايا الدكتور خالد الكركي ....تخريج الجامعة الاردنية 2010

مُساهمة  عمر مصطفى الطراونة في الإثنين يونيو 28, 2010 12:21 am

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على النبيّ العربيّ الأمين
وعلى آله وصحبه أجمعين
أهلَنا الكرام من ضيوف الجامعة هذا المساء،

الزملاء الأعزّاء نوّاب الرئيس وعمداء الكليّات وأعضاء الهيئة التدريسيّة،
الطلبة المتميّزين،
السلام عليكم جميعاً،
على هذا المساء العربيّ الجميل،
على فرح الأمّهات والآباء وفخرهم بكم، وخوفهم عليكم، الممتدِّ مهما بلغتم من القوّة والعلم عِتيّا، ومهما سهوتهم عن قوله تعالى "وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا"، وقوله عن يحيى بن زكريّا "وبرّا بوالديه ولم يكن جبّارا عصيّا"، فهم الأهلُ: "لا مستودعُ السرّ ذائع لديهم.. ولا الجاني بما جَرّ يُخذََلُ ..."

فمرحباً بالأبناء وبأهلهم في الأردنيّة هذا المساء ..

والسلام على كلّ مكان جئتم منه: أكان مدينة أم قرية أم جبلاً أم مخيّماً أم وادياً ، شمالاً أم جنوباً شرقاً أم غرباً،
على هذا النسيم الممتدّ من ألمٍ يسكن شرق الروح في العراق، ويمرّ بكم إلى أن يَحُطّ على وجع آخر يعشّش غرب الروح في فلسطين،
السلام على كلّ هذه الأشياء التي "لا تُشترى " ،
وعلى كلّ ما لا يقدرالحرّ أن يبيعه ولو منحوه الذهب،
السلام على أحلامكم وأسراركم، ونزقكم، وتمرّدكم النبيل، وعلى ضجيجكم الذي يملأ الروح أملاً هذا المساء ..

أيّها الأعزّاء،
في مقام وداع الأبناء والبنات، لا يستطيع الآباء صمتاً عن وصايا وأمانٍ تعصف بخواطرهم، وتقول رغبتَهم بأن يتسلّل زمن آخر تكونون أنتم – لا نحن – فرسانَه وخيوله ونجومه. ولو كان والد أيّ منكم أو والدته مكاني هذا المساء، لخبّركم كما أظنّ عمّا في صدره من الوصايا التالية، وهي سبع قصار، نرجو، نحن آباؤكم وأمّهاتكم، أن تتسع لها صدوركم الحيّة .

أولى الوصايا هي أن تتمسّكوا بحريّتكم وترفضوا سائر أشكال التحكّم والوصاية، وأن تنسَوا درسا قديماَ خاطئاً قال إنّ "من علّمني حرفاً صرتُ له عبداً". إنّ ثقافة السيّد والعبد في مجال العلم لم تَعُد علينا إلاّ بمزيد من الاجترار والتقليد ، وكأنّ درساً آخر عظيما قد هرب من ذاكرتكم، هو درس العقل لا العبودية بالنقل حسب نظريّة " هذا ما وجدنا عليه آباءنا" التي أنكرها الإسلام العظيم كما تعلّمتم . نريدكم أن تتحرّروا منّا ومن غيرنا، نحن الذين باتت حياتنا وأحلامنا وراءنا بينما أحلامُكم وأيّامُكم أمامكم. ولا تجعلوا أحلامكم الحرّةَ صغيرةً بل اعبروا من سماء لأخرى في آفاق العقل والحياة .تذكّروا دائما بيت المتنبّي الجامح: "أريدُ من زمني ذا أن يبلّغني/ ما ليس يبلُغُه من نفسه الزمنُ"، وقولَ شاعر آخر "أجمَلُ ما تكون أن تُخَلخِلَ المدى". فازرعوا هذه الروحَ فيكم وتجرّؤوا وغامروا وخلخِلوا المدى . ولا تدعوا الخوف يستعبدكم إلاّ ما بدا قَلَقَا كأنّ ريح الإبداع تحوم حولكم به. أما الخوف المدّمر الذي يورث الجبن والشعور بالاستسلام ويوهمكم بأنّكم أمام قدَر محتوم، فلا ترِثوه عمّن يشبهون من قال عنهم الشاعر "إذا عُيّروا قالوا مقادير قُدِّرَت ". فلا تستهينوا بإرادتكم، وانتبهوا جيّدا إلى فئات تحترف إحباط الطموحين المختلفين وكسرَ أجنحتهم، ودعوكم منهم فهؤلاء لا يستحقّون حتّى الهجاء. فاختلفوا على الرغم من سدنة السلطة والوصاية بأشكالهما المختلفة. اختلفوا عنهم وعنّا من أجلنا وأجلكم، وثوروا بعقولكم وجموحكم، فحرّيتكم وجرأتكم على التفكير والاختلاف هي أجنحتنا الغائبة التي نأمل أن تحملنا إلى زمان غيرِ هذا، فنحن نرى إليكم سندا ومفرّا من إيقاع الزمان الرهيب وإيذانه بخيبة الأمل. احملوا أحلامكم وانصرفوا، لكن عودوا إلينا.هكذا فقط تخفضون لنا – إن كنّا قد أعطيناكم شيئا – جناح الذلّ من الرحمة، وتكونون قد رحمتمونا من هجير صحراء ما عدنا نرى فيها سوى "مراجيعِ وشمٍ في نواشرِ مِعصَمِ "...

ومع كلّ ذلك أيّها الأعزّاء، فنوصيكم ثانيا بألاّ تقعوا في فخّ اعتبار الحريّة غاية في ذاتها. وتذكرّوا عبقريّاً عربيّاً كبيرا اسمه أبو نصر الفارابيّ، الذي اعتبر مدينة الحريّة من أكثرِ المدن خيرا، وأكثرِها شرّا كذلك، ورآها من المدن الجاهلة لأنّها لا تجعل الحريّة وسيلة لسعادة الناس واستكمالِهم فضائل الفكر والأخلاق. وتذكّروا أنّ وحوشَ الصحراء حرّةٌ تماما، لكن يقتل بعضُها بعضا. فاعرفوا أنْ لا قيمة للحريّة بلا معرفة وعقل ورؤية. وإن كان لا بدّ من قيود تجعلنا أسعدَ فكونوا أنتم – لا سواكم، فالزمانُ زمانُكم - من يخترع لنا أجمل الأغلال، وأخفَّها وطأة على العقل والقلب والجسد، مستفيدين مما ستقرؤون من دفاتر الشعوب الحيّة والأمم الحرّة، التي كنّا يوما نموذجا لها ذات زمان بعيد .

إنّ لهذا الكلام أيّها الأعزّاء، مقاماً في سياق انتخابات اتّحاد الطلبة الذي ما عاد نصفُه مستبَدّا به كما كان. لكنّها مع ذلك لا تزال بعيدةً عن النموذج الأمثل المنشود، فانتخاب هذا المرشّح أو ذاك حسب المناطق والجهات والانتماءات الضيّقة أو حسب الأيديولوجيّات المتعصّبة لا حسب أفكار تعبتم في فَهمها واعتقادها، ليس من أخلاق طلبة العلم إطلاقا بل ولا يليق بكم أبدا. ولا أدري كيف فاتكم أنّ التخلّف المنتخَبَ ديمقراطيّا أسوأُ من التخلّف المفروض بالقوّة. وليس وصفُه بالتخلّف من باب المبالغة، فأنتم ترَون ما يصنعه هذا الفكر حين يتعدّى الطالب على أخيه في الجامعات، وكأنّه لم يقرأ حرفا واحدا في حياته، ولم يسمع بما قاله العربيّ ابن القبيلة قبل ألف وخمسمئة عام "وظلمُ ذوي القربي أشدّ مضاضة...". وللأسف، فإنّ من يظلم أخاه يلجئ الجامعة مرغمةً إلى اتّخاذ إجراءات أمنيّة لا تليق لا بها ولا بطلبتها الآخرين. فاعلموا أنّكم ستذنبون في حقّ أنفسكم إذا ما بقيتم تقطّعون بلادكم إلى مناطقَ وقبائل فتجعلون من حرّيتكم وسيلة لإعادة أفكار بائدة إلى سياق حياتكم المعاصر، وكم يُبعِدكم هذا كلّه عمّا ينبغي أن يمثّله وعي الطلبة الديمقراطيّ من مشاركة حقيقيّة مؤثرة في الأحداث الكثيرة المؤلمة من حولكم .

وفي هذا السياق تذكّروا أيّها الأعزّاء – وهذه ثالث الوصايا - من أنتم. تذكّروا من أنتم . فأنتم لستم مجرّد طلبةٍ حديثي التخرّجِ ولا أفراداً هامشيين أقصى ما يستطيعون فعلَه هو الحصول على شهادة جامعيّة، على الرغم من أنّ هذا هو سبب احتفائنا الأوّل بكم اليوم. تذكّروا أنّ هناك خارج أسوار الجامعة وخارج حدود الأسرة المطمئنّة عالَماً خائفا يحتاجكم. ولأنّكم قد كبرتم وما عدتم فتية صغارا، فلا ينبغي أن تكتفوا بما يعتبره الآخرون إنجازا ولا أن تعيشوا داخل فقاعة الأسرة والوطن الضيّق. فالتاريخ يسير على نحو قبيح وليس لكم أن تقِفوا منه موقفَ المتفرّجين على مبارايات كأس العالم، لأنّ المستهدفين من التاريخ الحاضر هم منكم وأنتم في كلّ حلبات الصراع . وتذكّروا أنّ ما يحدث حولكم من كوارث هي بشريّةٌ لا طبيعيّة نضيء لها الشموعَ ونتبرّع بالمساعدات فيهدأ لنا بال. نعم لقد حصّلتم شهاداتٍ علميّة، لكن اسألوا عمّا ستفعلون بها وأعدادُ المرضى والفقراء والأمّيين والمستضعفين والمحتلّين والطامعين في ازدياد. فلا تكونوا كالذين يشيحون عن كلّ هذا بدعوى أنّ دورَهم العلميَّ نظريٌّ بحت، بل و ينظرون إلى الدنيا من زاوية اختراع أسئلة افتراضيّة في الهويّة والوحدة والتنمية والتطوير والديمقراطيّة غالبُها يبعد، على أقلّ تقدير، بعدَ السماء عن الأرض فيما يخصّ آلامَ الناس وهواجسَهم. وقد يكون هذا مشروعا للمثقفين في سياق آخرَ عند المجتمعات المترَفة لا في الأوطان المستلَبة والأممِ المهزومة التي فيها تتغير الأولويّات والأدوار. تذكرّوا إذن من أنتم وأين أنتم وقودوا أفكاركم في ظلال هذا التذكّر، فما قيمة الفكرة وقت الضياع إن لم تُصدّع جبلا ينبجسُ من تحته ينبوع، وما قيمة العلم إن لم يُنر الطريق، وما قيمة البحث إن لم يفضح الخلل والفساد ويقترحْ مسارا لحياة أفضل. أعرف أن هذا الكلام ثقيلٌ عليكم، لكنّكم لستم أصغرَ من أسامة بن زيد بن حارثة الذي بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- الى الشام وأمَرَه أن يوطئ الخيلَ تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين وهو لم يتجاوز العشرين من عمره. ولستم بعيدين عن سنّ محمّد الفاتح الذي فتح القسطنطينيّة وعمره أربعة وعشرون عاما، وكان وقتها إضافة إلى حفظه القرآن وعِلْمِه بالفقه والحديث، يتقنُ العربيّة والفارسيّة واللاتينيّة والإغريقيّة .

لستم أصغر من هؤلاء، لكنّ صراعَكم مع التاريخ أصعبُ وأكثرُ إلحاحا لأنّا لسنا الآن فرسان هذا الزمان. فابقوا تذكرون هؤلاء الفتية وغيرَهم ممن لم يعرفوا المستحيل وجعلونا نتذكّر الآن "قلاعاً صليبيّة قضمَتْها حشائشُ نيسان بعد رحيل الجنود". لا تنسَوا أن الصليبيّين لم يرحلوا بعد وتذكروا من أنتم أمامَهم، وأنّ حقّ أرضِكم وأهلكم وتاريخكم عليكم باقٍ إلى أن يرث المستضعفون الأرض. فتذكّروا دائماً من أنتم .

وأستأذِنكم في هذا السياق أن أدعوَكم، طلبة وأساتذة، ومن موقعي كأستاذ في الجامعة أوّلا وأخيرا—أن أدعوكم جميعاً إلى الانضمام إلى الحملة العالميّة لمقاطعة دولة الاحتلال الإسرائيليّ أكاديميّا . فجرائم هذا الكيان الصهيونيّ الحقير في حقّ أشقائنا، من احتلال وقتل واضطهاد وتهجير أوضح من أن تحتاج إلى الشرح. وإنّ أي شكل من أشكال العلاقات "الطبيعيّة" مع دولة الاحتلال، في ظلّ أيّ إدارة من إدارات الجامعة، لا ينسجم مع التزامنا الأخلاقيّ كأكاديميّين مسؤوليين أمام ضمائرنا عن مواقفنا، إذ إنّ المعرفة النظريّة وحدها لا تشكّل، ولا ينبغي لها، جلّ رسالتنا الأكاديميّة. وعلينا جميعا أن نشعر بالخجل لأنّ أعداداً كبيرة من أكاديميّي الغرب في بريطانيا وأمريكا وكندا وأستراليا (ومن بينهم إسرائيليّون) قد سبقونا بسنوات إلى النداء بمقاطعة الكيان الصهيونيّ أكاديميّاً وثقافيّا، وأن نتذكّر، ونحن الأقرب إلى الفلسطينييّن، أنّه لا يجوز لنا أن نتأخر أكثر مما تأخرنا عن النداء بهذا الخطوة وإن كنّا ندرك أنّها، في اللحظة الراهنة، أقلّ ما يتوجّب علينا فعله، خاصّة وأنّنا ندرك تماما أنّّ الأصوات الأكاديميّة الإسرائيليّة المندّدة بسياسات الاحتلال هي استثناءات لا تنفي دعم المؤسسات الأكاديميةّ الإسرائيلية عموماً لممارسات دولتها .

أمّا رابع الوصايا أيّها الأعزّاء، فتمسّ وَجَعاً غائرا قلّما يتجرّأ الناس على التحدّث عنه جهراً وبصراحة جارحة. وهو وجع ما أصبح يسمّى "الوِحدة الوطنيّة" بين من يصنَّفون أردنيّين فقط وبين من يصنَّفون فلسطينيّين فقط. إنّ الكلام عن وحدة وطنيّة يوحي بأنّ هناك اثنين، كما نجح سايكس وبيكو في فصلِهما وسلخِهما عن بعض، وكم هما مرتاحان في قبريهما حين تُفصَل الهُوّية بهذا الشكل المتعسّف المتخلّف، وكم يسعدان حين يريان بعضَنا يصرّ على الفصل بدعوى أنّ تطابقَ الهويّة هو بالضرورة قبولٌ بمبدأ الوطن البديل، لا محاولةٌ لإعادة الصراع إلى أصله: عربيّ إسرائيلي لا فلسطينيّ إسرائيليّ. أنا لا أعرف كيف يَعمى البعض عن أن يرى أنّ اثنين منكم، واحد وُلِدَ جدُّه أو أبوه شرقَ النهر وآخر غربه، ولا يكاد لسانُهما ولسانُ حالِهما وشكلُهما وقلبُهما يختلفون في شيء — كيف يعمي عن أنّهما، الأردنيَّ والفلسطينيّ، وإن كانا "اثنين" حقّا كما يريد البعض، وكما قد تطلب السياسة، فكلاهما للآخر كثاني اثنين في غار؛ أوّلُهما في السياقين – الغار القديم والحديث - أُخرج لندائه بالحقّ من دياره :

" إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ". أما ينبغي أن يكون للفلسطينيّ ما كان ليوسف: "ولمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنّي أنا أخوك"؟ أما ينبغي على من وُلِد أبوه أو جدُّه شرق النهر، وبالأخصّ من كان ابن عشيرة أردنيّة عريقة، أن يُدرك أنّ هذه العراقة لا يمثّلها أفضلُ من أبناء الأردنّ الذين لم يفصلوا في حياتهم بين الأردنّ وفلسطين، بل دافعوا بصدورهم من أجل الأرض المحتلّة. هل هناك من نموذج يعبّر عن هذا أكثر من هارون الجازي الذي قاد مئات من المتطوّعين الأردنيّين عام ثمانية وأربعين وانضمّ بهم إلى عبد القادر الحسيني في القدس والقسطل؛ أو محمد حمد الحنيطي الذي بدل الانصياع إلى الهدنة، التحق بحركة المناضلين المحليّين في مدينة حيفا وقادهم للدفاع عن المدينة، وفي أثناء محاولتِه إمدادَ أهل شمال فلسطين بالسلاح، كان أن اعترضت سيارة عسكرية يهودية قافلته واستشهد مع رفاقه... وودّعته حيفا من جامع الاستقلال ولُفّ نعشه بالعلم الأردنيّ ونقل الى مدينة جنين قبل دفنه بين ذويه شرق النهر ..

أليس هذا هو النموذج "الأردنيّ" الحقيقيّ، العربيّ الذي لا يرى إلى نفسه عربيّا أو أردنيّا من غير أن يكون، في الآن ذاته فلسطينيّا؟ تذكرّوا أيّها الأعزّاء أنّّنا كلّنا فلسطينيّون، واسترجعوا ما بهت من النشيد الوطنيّ "بلاد العرب أوطاني " الذي أصبح، للأسف، مثارا لسخرية من يصِفُون أنفسهم بالـ"واقعيّين" كي يُخفوا خوفهم، فاسخروا منهم وأنشدوا نشيدالشباب الذي " لن يَكِلّ"، ولن يكون "للعدى كالعبيد ". وتذكّروا أنّ الوطن "كلمةٌ ليس يخطئها القلب يا ولدي" كما قال الشاعر. واحفظوا جيّدا ما قاله مظفّر النوّاب :

" جفّ ريقي بحروب الجهل من كلّ الجهاتْ
أفما تملأ إبريقي بساتين الفراتْ
قلت يا أحبابْ :
لمّوا الشملَ،
فالقاتل لا شيء سوى هذا الشتات "
فاحذروا هذا الشتات ولا تكونوا من خلاله عبيدا للعدى ودمى بيد أباطرة روما الجديدة وأباطرتِهم من الصهاينة المعتدين الذين لا شيء ينيمهم ملء جفونهم قدر هذا الشتات. لقد اختلط الدمُ بالدم وانعجن النسبُ بالنسب والقلب بالقلب حتّى ما عاد هناك "اثنان" بل واحدٌ لا يقبل التنازل عن حقّ أهل فلسطين فيها . فاحفظوا جيّدا قداسة الاثنين، وتذكروا دائما أنّنا كَلَّّنا فلسطينيّون حتّى تتحّرر فلسطين كما أنّنا كلّنا عراقيّون حتّى تخرج قوى الاحتلال كلّها من العراق العزيز .
انأوا بأنفسكم، أيّها الأعزّاء، وهذه خامس الوصايا، عن كلّ ما يرضي قوى الغَلَبة والاستعمار، ومن ذلك، إضافة إلى التفرقة والشتات، الخرافةُ والتعصّب والانغلاق. فاعلموا أنّ استعمالكم عقولَكم يُخيفهم، ولا شيء يرضيهم قدْرَ أن يرَوا فئات منّا تنسى تاريخَها العقلانيّ التنويريّ، وتتبعُ أفكارا لا تواكب أدنى حدود تقدّم العقل البشريّ في العلم والمعرفة. تذكّروا أنّكم طلبة علم أوّلُ ما يمّيزهم إحكام العقل ونبذ النقل والتقليد والخرافة. لكن انتبهوا، في المقابل، إلى أنّ عليكم أن تنأوا بأنفسكم كذلك عن انبهار الجُّهال الأعمى العبثيِّ بالعولمة، وتقليدِ الآخر دون تفكير، إذ لا يختلف من يقلّد الماضي دون تفكير عمّن يقّلد الحاضرَ الحديثَ بلا تفكير أيضا. وتذكّروا أنّ الذين يقلّدهم بعضُكم بانبهار يجعلُه يخجل حتّى من لغته العربيّة، ويرى فيهم نموذجا للحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان، هم أنفسهم من يغضّون الطرف عن بشر "مثلهم" محاصرين ومسجونين، ومن باركوا مذبحة أسطول الحريّة، واستنكروا وشجبوا وأدانوا وامتعضوا – لا أكثر – من انتهاك مواطنيهم حقوق الإنسان في أبو غريب وغوانتانامو. احذروا إذن مثلَ هذا العمى، وافخروا بتاريخكم ولا تتولّعوا بالغالبين، ولا تكونوا من أولئك الذين يصِلون السماء – من سياسيّين ومثقّفين - لأنهم صعدوا على سلالمَ من جراحات أوطانهم، وترونَهم يحصدون الجوائز العالميةَ، التي لهثوا وراءها، بسبب انتقادهم الإسلام ومحاربتهم "الإرهاب" وفضحهم "تخلّف " الثقافة العربيّة من منابر الغرب لا من منابرنا التي يتطلّب اعتلاؤها شجاعة أكبر . حاولوا أن تصلحوا حالنا بالعقل والعمل، لكنْ من غير أن تدفعوا انتمائكم العربيّ ثمنا لتقدير أسياد العالم لكم .

نعم، نحن أدرى بشعاب أوطاننا وتشعّب أشكال الجهل والتخلّف فيها. لكنّ أدركوا – وهذه سادس الوصايا – أنّ أسوأ ما قد يقع هو أن يتحوّل بعضكم إلى فئة من الشاكين المتشاكين الذين يغطّون على فشلهم حتّى في المحاولة، بالانتقاد المستمّر للآخرين الذين يحاولون. أدركوا أنّ من لا يعملْ ويتعبْ من أجل نفسه والآخرين فإنّ نقده أوانتقاده لا يحمل شرعيّة أبدا. وكم تتفشّى هذه الظاهرة، للأسف، في وسطنا الأكاديميّ هذا. فتَرَون الحال هكذا: نحاول أن نحارب ما تراكم من خلل على مرّ السنين في ما يخصّ الأداء الأكاديميّ للجامعة، فنقوم ، في السنة الأخيرة فقط على وجه التمثيل، بتعديل جذريّ على تعليمات الماجستير والدكتوراة لتتّجه نحو فضاء جديد من الإحكام والعدل، ونحاول محاربة الفساد ما استطعنا ونقسو على كلّ من نعرف أنّه ساهم فيه، ونصرّ على إيفاد المتفوّقين بل ونبحث عنهم في الأقسام التي تتجاهلهم، وقد قرّرنا الخميس الماضي تعيين جميع أوائل الأقسام في مرحلة البكالوريوس ومعظمُهم حاضرٌ بيننا اليوم، ورفعنا مخصّصات البحث العلميّ إلى عشرة بالمئة من موازنة الجامعة، ونمنَعُ التدخّل في شؤون اتّحاد الطلبة، وندعو الطلبة إلى مشاركة فاعلة في منبرهم الإعلاميّ الجديد – الإذاعة – وقريبا الفضائية، ونصرّ على ألاّ تُكرّس منشورات الجامعة لتناولِ أخبار رئيس الجامعة ونوّاب رئيس الجامعة وكأنّ الجامعة لا طلاّب فيها (رغم أنّنا نعرف أنّنا هذا مما لا يزال يقع ) ، ونستمرّ في تطوير الحرم الجامعيّ في العقبة الذي استجبنا في إنجازه لرؤية جلالة الملك (ونوجّه تحيّة خاصة لعمداء كليّات العقبة الحاضرين بيننا اليوم)، وفي بالنا مخطّط حرم جامعيّ جديد شرقي عمّان، وتستمرّ المستشفى في حصد شهادات الاعتماد الدوليّة المتعدّدة، ونشجّع الحراك الثقافيّ ونستمرّ في المشاريع التطوّعيّة . لكّننا نجد، مع هذا، بعضا من المتخصّصين في النقد الفارغ السطحيّ، فيهجو الجامعة وإدارةَ الجامعة وطلاّبَ الجامعة ومستواهم العلميّ. وتراهم لا يقدّمون أيّ مقترحاتً ولا يُتعبون أنفسهم في البحث عن حلول ومخارج، ويشهدون زورا لمن يتحالف معهم في إخفاء تقصيرهم. والظاهرة هذه عامّة على مستوى الوطن الصغير والكبير، فتجدون الكثيرين من أخصّائيّي التنظير المُترَف ممن ينظّرون من غير أن يفعلوا أو حتّى يقولوا الحقّ بجرأة وشجاعة في العلن، بدعوى الحذر أوالتعقّل الذي ليس – في سياق كهذا - سوى جبن وتخاذل، وبدعوى أنّ اليأس دليل تنوّر واستشراف، وأنّ تحمّل أيّ شكل من أشكال المسؤوليّة أو المساهمةِ فيها أمرٌ لا طائل تحته (وهذا طبعا قبل أن يجرّب هؤلاء معنى المسؤوليّة ليوم واحد فقط). هؤلاء ردّ عليهم يوسف الصايغ – الذي لم يسمع المنظّرون به، بدعوى أنّ الشعر بلاغة فارغة وإنشاء- إذ قال :

" أنا لا أنظرُ من ثقب الباب إلى وَطني
لكنْ أنظرُ من قلبٍ مثقوب
وأميّز بين الوطن الغالب والوطن المغلوبْ
الله...! لمن يتنصّتُ في الليل إلى قلبه
أو يصغي السمع إلى رئتيهْ
هذا الوطن بريء،
لم يشهد زورا،
لكنْ شهدوا بالزور عليهْ "

أمّا سابع الوصايا وآخرها فتذكيرٌ بضرورة إخلاصِكم للعقل والمعرفة والبحث. فاعلموا أنّ زمانَكم وأوطانكم "سبّورة عرضُها العُمْرُ"، تمتَدّّ دونكم كي تخطّوا عليها أفكارا تخلّصنا ممّا نحن فيه. وابقوا، مهما تعدّدت بكم السُّبُل وانخرطتم في مشاغل الحياة أو ابتعدتُم عن العالم الأكاديميّ، ابقوا أبناء أمّة " اقرأ" وأعيدوا للكتاب حضوره كحضور رغيف الخبز بيننا، وأعيدوا للعربيّة الفصيحة ألقَها. وتذكّروا أن قيم التسامح واحترام الآخر مرتبطة بالمعرفة بالضرورة، فلا تهاجموا شيئاً لم تفهموه بعدُ تماما، فلطالما كان العلم أساسا للأخلاق والنبل والسلوك المتحضّر. وتذكّروا كيف اختلف الغزالي وابن رشد لا بالصراخ ونزاع الجهّال، بل بكتبٍ خالدة متبادلة، وكم نحن بعيدون عن هذه الروح الآن كما يتجلّى لكم في وسائل الإعلام المختلفة، فحاولوا استعادتها ما استطعتم، علّ الغزالي وابن رشد يرتاحان في قبريهما هما وكلّ العرب والمسلمين من العلماء .

من سيغيّر كلّ الذي بنا سواكم ومن سيحملنا في هذا الطريق الطويل؟ أما تذكرون قصيدة محمود درويش، التي فيها يسأل الأب ابنه: "يا ابني تعبت... أتحملني؟" فيجيب :
" مثلما كنتَ تحملني يا أبي،
وسأحمل هذا الحنين إلى
أوّلي وإلى أوّلهْ
وسأقطع هذا الطريق إلى
آخري ... وإلى آخرهْ "...

فهل يشبه ما في صدوركم هذا الجواب؟. نرجو ذلك. ونشكر لكم حسن الإصغاء، ونشكر باسمكم سائر الذين أعدّوا لاحتفالات التخرّج في الكليّات والإدارات، ونرجو أن تعتنوا، أيّها الأبناء، بأنفسكم جيّدا بعد هذا المساء .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

عمر مصطفى الطراونة

عدد المساهمات : 63
تاريخ التسجيل : 16/05/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى