منتدى الطريق للحق.. بإدراة المحامي حسن موسى الطراونة
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم...... يشرفنا أن تقوم بالتسجيل ...

فايز الطراونة: بعد طرد كلوب باشا اعتبرت بريطانيا أن بقاء الأردن "مسألة وقت"!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فايز الطراونة: بعد طرد كلوب باشا اعتبرت بريطانيا أن بقاء الأردن "مسألة وقت"!

مُساهمة  المحامي حسن الطراونة في الإثنين ديسمبر 27, 2010 11:43 am


فايز الطراونة: بعد طرد كلوب باشا اعتبرت بريطانيا أن بقاء الأردن "مسألة وقت"!
1ماجد توبة ومحمد خير الرواشدة

عمان - تزداد الأحداث سخونة مع تقدم رواية العين فايز الطراونة لسيرته الذاتية، ويفاجئ محاوريه بشقاوة تحلى بها منذ ريعان شبابه، لكنه يرفض اعتبارها شقاوة أو جرأة بمقدار ما هي إيمان بأن القدر مكتوب.

يكشف الطراونة، في الحلقة الثانية من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، عن قصة أول صف مختلط بين الذكور والإناث في التوجيهي في مدرسة المطران العام 1967، والذي كان هو أحد أفراده.

ويتحدث عن جداله مع والده حول مستقبله التعليمي، ليدخل الجامعة الأردنية لدراسة الاقتصاد، فيما بقيت نفسه تراوده بدخول سلاح الجو، راغبا في أن يصبح طيارا، وأن يسهم في إعادة بناء ما دمره العدوان الإسرائيلي في حرب حزيران (يونيو) 1967.

في الجامعة، تصادف المقدسية رويدة (أم زيد) الطالب فايز، فتأسره منذ اللحظة الأولى، ويصبح الزواج بها أحد أهداف الشاب الصغير الطامح لدور سياسي، منذ أن كان مراقبا لصالون والده السياسي في أهم حقب التاريخ الأردني الحديث.

في تلك المرحلة، التي يستكمل اليوم الحديث فيها متناولا مراحل البدايات وتكون الوعي، ويروي الطراونة قصصا، تشي بجرأة قاربت حد التهور، كان هدفها التقرب أكثر من زميلته المحبوبة، وأم عياله لاحقا، ومن أهلها.

ويقدم رئيس الوزراء الأسبق وجهة نظره في الحراك السياسي والوطني الذي شهدته المملكة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتي شكلت مرحلة عاصفة في المنطقة كلها، ويؤشر إلى "المحددات" التي وجهت بوصلة فكره السياسي والشخصي في مقبل الأيام.

ولا ينكر رئيس الديوان الملكي الأسبق، الذي تحدث في حلقة أمس عن بداياته وفيها ما يشكل ذكريات عمان والأردن في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، تأثره بصالون والده المرحوم أحمد الطراونة، والذي علمه أن الدرس الأول للسياسي ولرجل الدولة هو حفظ الدستور والتفقه به، والحرص على الاحتكام لنصوصه وأحكامه.

ويحمل الطراونة، في حلقة اليوم، على الأحزاب القومية واليسارية التي تسيدت المشهد المعارض في الخمسينيات الماضية، ولا يخفي انحيازه المبكر ضد هذه الأحزاب والقوى السياسية، والنأي بنفسه عن حراكها وأفكارها، واقترابه أكثر، فكريا وسياسيا، من الخط الرسمي للحكومات، بل وذهب إلى اتهام تلك الأحزاب القومية واليسارية بـ"معاداة الأردن"!

• درست بمدارس عمان في الخمسينيات والستينيات، لنتحدث عن تلك الفترة؟

- بقيت في مدرسة المطران حتى التوجيهي. وكان التوجيهي تجربة مليئة، وقد كانت مدرسة المطران حينها تعتمد شهادة (CGC) أي مترك لندن، لكن في العام 1966 فرضت الدولة على كل المدارس الالتزام بالتوجيهي الأردني، وأن من يريد أن يكمل المترك البريطاني، فعليه أن يفعل بعد إنهاء الصف السادس الثانوي ذلك الوقت، وهو ما يعادل الثاني الثانوي حاليا.

ذلك العام، قررت مدرسة المطران والمدرسة الأهلية للبنات، اللتين كانتا متجاورتين، أن يجمعا طلبة التوجيهي في صف واحد، حتى يتسنى لمدرسة المطران أن تخصص صفوفا لصف التوجيهي، وبعدد طلبة معقول.

كانت الفكرة بتوحيد التوجيهي العام 1966، وأنا تقدمت للتوجيهي العام 1967، فتقرر انتقالي مع عدد من الزملاء من مدرسة المطران إلى أحد الصفوف في مدرسة البنات الأهلية! ولك أن تتخيل، كيف كانت أول تجربة لأول صف مختلط في المملكة.

وطبعا كانت المدرسة قريبة من منزلنا، وكنا تربينا على انه ممنوع أن نمر من شارع مدرسة البنات، فكيف سنكون اليوم بداخلها، ووسط 700 طالبة، في حين كنا نحن 18 طالبا ذكرا فقط!

لقد تعرضنا في تلك الفترة لقسوة كبيرة، جراء الحزم والصرامة من قبل إدارة المدرسة في التعامل معنا كذكور، حفاظا على زميلاتنا الطالبات.

أذكر، مثلا، انه كان ممنوعا علينا الخروج في الفرصة المدرسية إلى الساحة، فكنا نعطي الزميلات نقودا لكي يشترين لنا ما نأكله! لم نكن نتحرك من داخل الصف، فكان الاختلاط مسموحا فقط في الصف التوجيهي، وليس في المدرسة ومرافقها.

كانت تجربة فريدة، وخصوصا أنها تميزت بالتنافس الشديد بين الطلاب والطالبات على العلامات. من المواقف التي أثرت فينا إلى الآن، كان تعاملنا من الزميلات بنخوة، وأذكر أنني طردت من المدرسة ست مرات على خلفية أحداث أو أفعال ترتكبها زميلة.


• هل كان ثمة "شغب" طلابي سياسي؟

- المطران لم تكن مدرسة مشاغبة، بمفهوم المظاهرات. كانت الخمسينات مرحلة زاخرة بالمظاهرات، وخاصة في مدرستي الحسين ورغدان، لكن لا أذكر انه حدث في مدرسة المطران اعتصام أو إضراب أو خرجت منها مظاهرة. وأعتقد أن إدارة المدرسة وجهت اهتمام الطلبة، وفرغت كبتهم السياسي بالرياضة، فتميزت المطران بالمنافسة الرياضية.


• لماذا غابت مشاركتكم السياسية وأنتم أبناء سياسيين؟

- قد يعود ذلك لأجواء الانضباطية داخل المدرسة. ثم نحن تربينا على خلاف النشاط السياسي السائد وقتها، فنحن لم نتأثر بإذاعة صوت العرب، أو الدعوات اليسارية والقومية أو اليمينية حينها. كانت مادة التعليم الأولى التي تلقيناها من والدي هي الوطن والقيادة، وتربينا على ذلك منذ الصغر. وتربينا على أن هذا البلد مستهدف، ويجب أن نحميه، لذا لم تؤثر هذه الدعوات فينا.

كان لدينا هاجس العرب وفلسطين، وكنا نستشعر كل شيء، لكنا كنا نرفض العداء للأردن من قبل البعض. لا أذكر أن والدي أرغم أحدا منا على فكرة أو قناعة، وكان يتحدث كثيرا عن الملك الحسين، طيب الله ثراه، بطريقة ذكية علمتنا حب الوطن.


• إذن لم يكن ابتعادا عن الهم القومي، فما هو إذاً؟

- هو وعي مبكر. والسبب هو وجود والدي، والذي شغل عدة مواقع، وكان يعرف حقائق الأمور، فقد عاش مع الملك عبدالله الأول، ويعرف رسالة الأردن، ويعرف لماذا وجد الأردن. كان والدي يعلمنا دوما أن من يقول أن الأردن من صنع بريطانيا مخطئ، وكلام فيه تجن على الأردن، لأن الملك عبدالله الأول جاء برسالة استكمل فيها رسالة الثورة العربية الكبرى، وكان الهدف بناء المملكة العربية المتحدة، التي أريد بها كسر اتفاقية سايكس بيكو، التي مزقت جسد الأمة العربية.

كان هدف الثورة العربية الكبرى بناء التضامن العربي ووحدة الصف العربي. وكانت رسالة الهاشميين الوقوف بوجه وعد بلفور، لأن الوعد ما كان لينشئ دولة إسرائيلية صهيونية إلا من خلال دول فسيفسائية حول ذلك الكيان.

ثم لو كانت الأردن من صنع بريطانيا، فهل كان الملك عبدالله الأول بمقدوره إخراج الأردن من وعد بلفور؟ وكيف استطاع بحنكته العظيمة، وفي ظل الانتداب البريطاني ووجود المندوب السامي بالقدس، أن يجنب شرقي الأردن من وعد بلفور؟ ولماذا الاستقلال؟ ولماذا الدخول في حرب العام 1948؟ ولماذا لم يقبل، كما قالوا، بأن تكون الضفة الغربية هديته من الاحتلال العام 1948، ولم يعلن الوحدة بين الضفتين إلا العام 1950، وبعد قرار الشعبين إثر مؤتمرات نابلس وعمان ثم أريحا.


• هذا الفكر السياسي للمرحوم أحمد الطراونة، ألم يخلق له عداوات سياسية في تلك المرحلة الملتهبة؟

- لا. وهذا الحديث لم نكن نسمعه بهذه الحرفية من والدي، لكن استطعت بلورته بعد هذه السنوات. لكن والدي كان نائبا لأول مرة في العام 1950، وفي العام 1951 كان واحدا من عشرة أعضاء في لجنة صياغة الدستور الأردني.

ولوالدي كلمة مشهورة بعد قرار الوحدة، حيث استذكر قول الشاعر "وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا"، فقد كان مقتنعا بأن الوحدة بين الضفتين هي القاعدة، وما قبل ذلك الاستثناء.

كان يؤكد أن الوحدة صحيحة عندما انطلقت من الشارع إلى الهرم، فتميزت بالالتحام الشعبي المتين، الذي ما زلنا نعيش معانيه. وكان والدي ضد الفصل أيضا، وقد كان في الأردن وجهتا نظر العام 1974، أيام انعقاد مؤتمر الرباط، فهناك من كان مع الفصل ووحدانية التمثيل لمنظمة التحرير الفلسطينية، في حين كان والدي مع وجهة النظر الأخرى، بل ووقع على مذكرة ترفض ذلك، وقال يومها "إن من وقع على اتفاق الوحدة لا يوقع على الفصل".

والدي كان رجلا دستوريا ووحدويا، ولم يلجأ إلى الخصومات في مواقفه، فكان رجلا حواريا، يسعى إلى الإقناع بالهدوء، وهذا ما يفسر قدرته على الحوار مع اليسار المتطرف عندما كان نائبا ووزيرا في الخمسينيات، وبدون خصومات مع نقيضه الفكري.

ولم يكن معاديا للآخر سياسيا، بمفهوم الإطاحة، بل كان يحاور بفكرته، وتلك كانت لغة الديمقراطية في الأردن، إلى أن دخلت قوى خارجية إلى البلد، كثفت الاضطرابات في المملكة، وهو ما اضطر جلالة الملك حينها إلى تجميد الحزبية.

إلى أن تبلورت الصورة، وشهدناها واضحة في مرحلة ما قبل السبعين، حيث بات الطريق إلى تحرير القدس يمر من عمان، وأن كل السلطة للمقاومة! وقد كانت منظمة التحرير تلك الأيام مقسمة بين الدول العربية. هذه اللحظات أتمنى على الأردني أن يدركها، وهي التي ستفسر مسلكيات الدولة في المراحل المختلفة.

لقد طالعت الكتب التي صدرت مؤخرا، وتحدثت عن الأردن، وقال بعضها إن بريطانيا كانت تنظر إلى الأردن في تلك المرحلة على أن مصيره مسألة وقت فقط. عندما طرد الملك الحسين رحمه الله، كلوب باشا اعتبرت بريطانيا أن الأردن انتهى، وقالت بريطانيا لأميركا: إذا أردتم أن تحلوا مكاننا، وأن نلغي المعاهدة البريطانية مع الأردن فلن نمانع لأن المسألة مسألة وقت، لكن القيادة الأردنية كانت دائما تبحث عن البدائل، وهذا ما يميز قيادة عن أخرى، فالقيادات الحية هي التي تبحث وباستمرار عن البدائل في أصعب الظروف.

واتخذت القيادة قرارها وذهبت إلى أيزنهاور، إلى الولايات المتحدة الأميركية، لكن ظل الهم العربي موجودا، وظل الجيش العربي وتطويره هاجس القيادة، وظل جيشا عربيا، وتفاعل مع كل الأحداث العربية والحروب والمعارك، في الكويت وعمان واليمن ولبنان. وحتى في حرب 1967، وبالرغم من معرفة الأردن لنتيجتها سلفا فقد شارك فيها، ولم يتخل عن تضامنه العربي. لذلك، فإن الأردن عبر عن مواقفه القومية عمليا وليس بالشعارات. وليس بمثل بعض الشعارات القومية الرنانة في ظاهرها والقطرية في باطنها، لقد أدرك الناس ذلك فيما بعد، لكن في لحظتها كانت الحالة الانفعالية طاغية ومسيطرة.


• في حرب الـ67 كنت قد أنهيت امتحانات التوجيهي؟

- العام 67 أنهيت التوجيهي، وكانت الأحداث كشفت عن حراك أحمد الشقيري (أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية) أيامها، وتشكل الجبهة الشرقية المشتركة، وقد ذهب الحسين، رحمه الله، إلى مصر، وعاد من مصر ومعه الشقيري. وقتها تجندت أنا، وكانت كل مدرسة تذهب بطلبة متطوعين إلى الدفاع المدني، وكنا نقف كمتطوعين في أماكن مختلفة، نوزع "النيلة" على السيارات لتعتيم أنوارها ليلا، ونذهب إلى البيوت للصق النوافذ، احتياطا من وقوع الانفجارات، هذا العمل أخذني من أجواء الدراسة، فلم أركز كثيرا في دراستي مقابل ما كنت أقوم به من عمل تطوعي، حفرنا أيامها خنادق، وأنا كنت مسؤول حفر خندق خلف الكلية العلمية الإسلامية، حتى يلجأ إليها المواطنون في حال وقوع غارات. طبعا استمررت في الدراسة، وقد كنت أتقدم لحظة اندلاع الحرب في آخر مادتين دراسيتين، فتوقفت الدراسة، واعتبروا معدلنا الإجمالي على ما تقدمنا به من امتحانات في المواد الدراسية الأخرى، فحصلت على معدل 66.6 %.

بعد انتهاء الحرب، كان سلاح الجو الأردني قد دُمر. وأول ما فكرت به بعد التوجيهي هو أن انخرط في سلاح الجو، وأصبح طيارا، وكانت قيادة السلاح طلبت طيارين، وكانت رغبتي في ذلك جامحة لأشارك في بناء ما تهدم. لقد تركت فيّ الحرب أثرا عميقا، وكنت مدركا أن الحرب مغامرة ناصرية، ولم تحدثني نفسي بلوم الأردن قيد أنملة.


• هل كان ذلك استنتاجك الذاتي، أم تأثرك بصالون أحمد الطراونة السياسي؟

- صالون أحمد الطراونة تضاف له قراءاتي الذاتية. كل ما كان يقال عن استعداد عربي للحرب كان إعلاميا وليس عسكريا.

المهم أن والدي عارض انضمامي لسلاح الجو، حيث قال لي: أنا مؤمن بالشهادة، وعليك أن تأخذ أولا شهادة جامعية، هذا ما قاله، أما ما لم يقله حينها، وشعرت به، هو أن والدي كان له ولدان، أنا وشقيقي هشام، وكان العمل في سلاح الجو يشكل خطورة كبيرة، ولم يكن سهلا لوالد أن يترك ولده يذهب باتجاه خطر كالطيران.

وأشار والدي إلى أنه لاحظ اهتمامي بالسياسة، وحرصي منذ كنت صغيرا على استراق السمع للحوارات بين والدي وضيوفه من سياسيين، وقد كان منزلنا ملتقى للأضداد السياسيين، ولم تكن لوالدي خصومات، حيث كان وزيرا في حكومتي سمير الرفاعي وتوفيق أبو الهدى، رغم أنهما كانا ضدين سياسيين عنيدين، وقال لي والدي يومها إن الجامعة طريق للسياسة، ونصحني رحمه الله، بدراسة القانون، لكن لم يعتد على إرغامنا على شيء. يومها قلت له إنني لن أخرج عن رأيك، ولكني أرى أن دراسة الاقتصاد السياسي قد تفتح لي مجالات أكبر.

ولا أنكر انه كان لدي غاية أخرى أيضا من دراسة الاقتصاد، كنت أرغب في أن أرسب في أول سنة لأعود لخيار دخول سلاح الجو! لكن كنت أيضا مقتنعا بأن الاقتصاد علم ينير دروب السياسي ممارسة. المهم دخلت الجامعة الأردنية لدراسة الاقتصاد. ومنذ اليوم الأول في الجامعة رأيت ام زيد، زوجتي لاحقا، وتعلقت بها من
ول يوم.


• وهل كان سهلا عليكم في العام 67 أن تتعاملوا مع الزميلات بأريحية؟

-لم يكن ذلك سهلا، "يا دوب" يبدأ السلام بينهما في السنة الثالثة! لكن، أنا دخلت الجامعة ومعي رصيد جيد من التعارف مع الزميلات، لأنني درست في التوجيهي بالتزامل مع طالبات، وأغلب زملائي درسوا في الخارج، فذهبت أنا وزميل آخر إلى الجامعة ولدينا رصيد من الصداقات مع 18 زميلة، دخلنا كلنا معا إلى الجامعة الأردنية.

أم زيد جاءت من مدرسة راهبات الناصرة، فتعرفت إليها، وقد عززت علاقاتي بالجامعة. في أول عام لم تتعرف عليّ، فقد كانت خجولة جدا، فقررت أنا بعد شهرين أن أبقى بالجامعة، وفي رأسي هدف التقرب منها.


• وأين كانت تسكن أم زيد؟

-زوجتي رويدة هي بنت إبراهيم مراد، وكانت تسكن وأهلها في جبل اللويبدة، وهم أصلا من القدس. وبعد السنة الأولى خرجت أنا للمشاركة في مباراة كرة قدم، وكانت هي تحضرها، ومنذ ذلك الوقت صارت بيننا مودة مشتركة، لكنها ظلت محافظة. وفي العام 1968 صرنا معروفين بالجامعة.


• وأثر هذه العلاقة بك؟

-تخيل، لقد أنهيت السنة الأولى بتقدير مقبول! وفي السنة الثانية، التي تعزز فيها إصراري على البقاء في الجامعة حصلت على تقدير جيد جدا، وفي السنة الرابعة كان تحصيلي امتيازا، وكنت الثاني على الدفعة.

في فترة الجامعة حدثت معركة الكرامة (1968)، وبعد انتهائها، بدأنا في مرحلة تشكل الفصائل الفلسطينية، المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير، وانعكس وجودها أيضا داخل الجامعة. أتتني حينها دعوات للانضمام لهذه الفصائل، وكانت تأتيني أيضا التهديدات من كل الاتجاهات، وكنت أجد أحيانا سيارتي، وهي من نوع (فوكس فاجن) وقد تعرضت للتخريب، أو أتسلم رسائل تهديد بسحلي وتعذيبي. كان لي أصدقاء في الجامعة يبقون معي لحمايتي كشكل من أشكال الفزعة، وظلت هذه الأجواء حتى العام 1970.


• وماذا عن أم زيد، ألم تكن تخشى عليك من هذه التهديدات؟

- بالتأكيد، وبقيت طيلة هذه الفترة أحيي خوفها علي، ولكن ظل في ذهني أن الفرص للاقتراب منها أكثر، والتودد لأهلها.

إلى حين بدأ في أحد أيام 1970 صوت السلاح يعلو في سماء عمان، وفي الساعة 2.30 ظهرا، أردنا أن نغادر الجامعة، وإذا بالشرطة العسكرية تغلق أبواب الجامعة، وتمنع الطلبة من الخروج خوفا على حياتهم.

في هذه الأثناء بدأت رويدة تبكي، وتقول لي: أبي وأمي "بنجلطوا إذا ما روحت"، فقلت لها: بإذن الله ستكونين في البيت سريعا، توجهنا إلى الباب، وإذ بأحد ضباط الشرطة العسكرية قد عرفني، قال لي "وين رايح يا فايز؟ بعد المدينة الرياضية الدنيا مولعة"، فقلت له أن بيت زميلتي رويدة قريب، عند جريدة الرأي، وبعد أن أوصلها سأعود للجامعة. طبعا كذبت حينها فبيتها كان في جبل اللويبدة. بعد إلحاح شديد اقتنع الضابط. طبعا لا تسألني كيف وصلنا لجبل اللويبدة، كل ما قلته "انزلي راسك تحت الكرسي، ولا ترفعيه". وصلنا، وكانت أمها على الباب تنتظرها بلهفة كبيرة. منذ ذلك الوقت صرت على علاقة طيبة بأم رويدة، فكانت الحالة الأمنية تلك لها فضل في علاقتنا أنا ورويدة.


• هذه جرأة غير مسبوقة في تحمل الخطر ومواجهته؟

- اعترف بأنني كنت جريئا، ففي أحداث أيلول أخذني والدي أنا والعائلة إلى بيت وصفي التل على طريق السلط، وكان والدي مع التل في الديوان الملكي. زوجة وصفي كانت خارج الأردن، وكان خطرا علينا أن نبقى في بيتنا في الدوار الأول، فذهبنا إلى بيت وصفي. وقد حرق بيتنا في الدوار الأول.

وقد سافر والدي للقمة العربية في القاهرة، ولجأ رئيس الحكومة العسكرية محمد داوود إلى ليبيا، وقد استمر والدي في رئاسة الوفد الأردني للقمة إلى حين حضر الملك الحسين رحمه الله وترأس الوفد، ووقع الاتفاق مع رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات.


• ماذا سمعت من والدك عن رواية لجوء رئيس وزراء الحكومة العسكرية محمد داوود؟

- ما سمعته وعشت بعض تفاصيله، أنه في اليوم الرابع لأحداث أيلول، عقدت قمة في القاهرة، فحضر القمة محمد داوود كرئيس وزراء، إضافة إلى والدي كرئيس للديوان، فخرجا من قصر الحمر بعد أن جاءت طائرة "هوليكبتر" لتقلهم إلى منطقة الـh4، وكانت طائرات الملكية قد تم تهريبها إلى هناك، حملتهما الطائرة إلى القاهرة، وبعد وصولهما بنصف ساعة كتب محمد داوود رسالة رقيقة إلى الملك الحسين، يبلغه فيها أن ابنته وصلت وأنه سيلجأ إلى ليبيا، ففورا أبلغ والدي الملك الحسين بذلك، وقال إنه ترأس الوفد الأردني باجتهاد منه، وكان برفقته، كمرافق عسكري، الرائد وقتها أحمد عبيدات، ومما أذكره أن والدي كان يثني على الموقف الرجولي للأخ سامي قموة، الملحق التجاري في القاهرة والذي لم يترك والدي للحظة.

وبعد انسحاب القوات السورية من الشمال، وعودة الهدوء إلى عمان عدنا لبيتنا في الدوار الأول، فوجدناه محروقا، فنزلنا في بيت خالتي بالدوار الثالث. يومها كانت معي سيارتي العزيزة، وصدر قرار برفع حظر التجول لمدة ساعتين، من 4 وحتى 6 مساء.


• أول مشوار خطر في بالك وقتها؟

- كان كل عقلي عند رويدة، وماذا حصل معها ومع أسرتها. كانت الأمور ما تزال حامية الوطيس، ورفع حظر التجول كان يشمل فقط سيارات الهلال الأحمر، عندها صرت أفكر بحل يخرجني من المأزق، فطلبت من بنات خالتي وأختي أن يأتوا بقطعة قماش بيضاء وخيوط حمراء وتطريزها على شكل هلال، وقد كانت إحدى بنات خالتي خياطة أصلا، وحمّلت سيارتي بالطحين والقمح والعدس وكل ما هو موجود، وتوجهت إلى جبل اللويبدة.

كنت اعتقد أني سأصل إلى بيت رويدة فأجده مدمرا بالكامل. طبعا كنا نستمع إلى إذاعة صوت العرب، التي كانت تقول إن الكلاب تنهش الجثث على جنبات الطرق في عمان، طبعا كان كل ذلك كذبا. وبدأت أمشي لأقطع الحواجز كلها، واجتزتها، بما فيها مقص كان للمنظمات الفلسطينية، تركوني ولم يعترضوا طريقي، وصلت منزل أهل رويدة، وإذ بهم يقفون على شرفته، وكانت أمورهم جيدة، واطمأننت عليها وعلى أهلها، فكان للموقف أثر، قرب بيني وبين أهل رويدة أكثر.


• إذن أنت مخطط جيد؟

- لا، أنا لست مخططا جيدا، رويدة تحمل هذه الصفة، أنا اعتبر أن حدسي جيد، وأنا مؤمن بالقدرية. تعلمت ذلك من الحسين رحمه الله، ومن حادثة الزجاج التي حصلت معي وأنا طفل صغير. تعلمت التصميم والتوكل، وهذا ما أنا أسير عليه.

عندما عدت من اللويبدة قامت أمي بتوبيخي أشد التوبيخ. كنت جريئا لأن والدي لم يكن موجودا، فقد كان مع الحسين في جنازة عبد الناصر، وبقي في قصر الحمر حتى 15 تشرين الأول من نفس السنة، ولكن بقيت حركتي حرة أكثر.

في اليوم التالي لزيارة بيت رويدة حملت نفس الأغراض وذهبت بها إلى بيت عمتي في جبل التاج، والذي كان مرتعا للمنظمات، كانت مغامرة أخرى.


• وكيف كانت ردود الأفعال على جرأتك؟

-والدي والراحل الحسين كانا أكبر معلمين لي في الحياة. وأعتقد أن ثمة تشابها كبيرا بيني وبين والدي في كثير من الصفات، التفاؤل والجرأة والإيمان المطلق. أما عمليا فقد ترك شرف القرب من جلالة الراحل الحسين والعمل بمعيته أثرا كبيرا في نفسي.

...
نشر: 10/12/2010 الساعة .GMT+2 ) 23:13 p.m )
|

(تصوير: ساهر قدارة )


ماجد توبة ومحمد خير الرواشدة

عمان - يواصل رئيس الوزراء الأسبق العين فايز الطراونة في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" حديث الذكريات الأولى لمشواره الوظيفي والسياسي مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبعد تخرجه من الجامعة الأردنية بشهادة الاقتصاد.

وتختلط في مذكرات الطراونة الذكريات الشخصية والسياسية للرجل بمذكرات والده المرحوم أحمد الطراونة، السياسي ورجل الدولة الأسبق، الذي شغل في تلك المرحلة المهمة من تاريخ الأردن الحديث حيزا لا بأس به، وكان فاعلا وشاهدا على تلك المرحلة.

ويتطرق الطراونة، الذي حمل في الحلقة السابقة على الأحزاب القومية واليسارية متهماً إياها بـ"معاداة الأردن"!، في حلقة اليوم الى بعض التفاصيل لأحداث وأجواء في فترة ملتهبة من تاريخ المملكة، وهي فترة أحداث "أيلول الأسود".

في سرده لتفاصيل حياته في هذه الفترة تظهر الرغبة الجامحة لدى الشاب فايز في انتهاج العمل السياسي، والذي رأى أن عمله في تشريفات الديوان الملكي الهاشمي، يشكل الفرصة المناسبة والطريق الأمثل لدخول "معمعان" الحياة السياسية.

في هذه الفترة من حياة الطراونة ترقى من موظف درجة سابعة في عمله بتشريفات الديوان الملكي الى منصب مساعد مدير التشريفات، قبل أن يغادره مبتعثاً من الدولة الى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة الماجستير. ثم يعود ليتسلم منصب مدير مكتب المغفور لها جلالة الملكة علياء الحسين.

وتطرق الطراونة الى الخلاف الذي حصل بين والده وبين المرحوم بهجت التلهوني بعد العام 1967، مشيرا الى ان الخلاف كان سياسيا، انصب على فكر إدارة الدولة من جهة، وعلى التعامل مع مصر وسورية من جهة أخرى، وحتى مع المنظمات الفلسطينية.

كما تطرق الى خبر استشهاد رئيس الوزراء الاسبق وصفي التل، قائلا كنت جالسا في البيت وأستمع إلى إذاعة الـ"بي بي سي"، وجاء الخبر أنه "يخشى أن يكون رئيس وزراء الأردن قد قتل في القاهرة على يد مسلحين". بعد دقيقتين رن هاتف البيت واستدعيت الى الديوان كسائر الموظفين.

• وصلنا الحلقة السابقة، الى العام 1970، ثمة سؤال، هنا: كيف عاد أحمد الطراونة للواجهة السياسية في أحداث أيلول، بعد أن لاحظ الجميع غيابه الفترة السابقة؟

- القصة طريفة، ففي الأول من أيلول (سبتمبر) حدثت محاولة لاغتيال الحسين رحمه الله، وسمعنا بالخبر، وفي نفس اليوم، وفي تمام الساعة 12 ليلا كنا جالسين في البيت، وكان هناك إطلاق نار رهيب في الخارج، قرب عمارة التأمين على الدوار الأول، حدث اشتباك بين مفرزة بادية على الدوار الأول مع فصائل فلسطينية مسلحة، وكانت هناك أيضا اشتباكات في الشارع الخلفي لمنزلنا، في شارع خرفان، وإذ بالديوان الملكي على الهاتف يطلب والدي لجلالة الحسين.

والدي كان يراقبني بنظره، وأنا أرد على الهاتف، فسألني فقلت له "يبدو أن القمرة والربيع انتهت وقامت القيامة، والديوان يطلبك؟"، فقال لي: "سد حلقك"، وأخذ سماعة الهاتف، فكان الحوار: "حاضر سيدي، بتأمر سيدي، خلال نصف ساعة بأكون عندك"، أقفل والدي المكالمة، وأنا كنت ارتدي ملابسي بعد أن سمعت أنه سيكون في قصر الحمر بعد نصف ساعة، وتناولت رشاشا كنت اشتريته لأضعه في سيارتي، فالتقينا في صالون البيت فرآني مرتديا ملابسي وحاملا الرشاش، فسألني "وين يا فصيح؟" أجبته "بدي أسوق فيك"، قال وأمك وأختك؟، قلت يجب أن أوصلك، فأجاب ونذهب الاثنين لقدر غير معلوم؟، فاجلس عند أمك وأختك، وعندما أصل الديوان اتصل لأطمئنكم. وطلب مني سيارتي الـ"فوكس فاجن"، وركبها، لأن المنظمات كانت كثيرا ما تستخدم هذا النوع من السيارات، ومنطقتنا كانت مليئة بالمنظمات.

كان هناك مقص لتنظيم فتح على الدوار الأول، عند نادي الملك الحسين، وارتدى والدي شماغا من دون عقال، وخرج من البيت، وكان الوضع خطيرا، والمغامرة غير محسوبة، وكان هذا آخر عهدنا به حتى يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر). اتصل بنا بعد وصوله الحمر بنحو ثلث ساعة، وأبلغنا بأنه تقرر تعيينه مستشارا سياسيا لجلالة الملك، وبعدها بأسبوعين تم تعيينه رئيسا للديوان الملكي.

وبقي الوضع على ذلك حتى يوم 16 أيلول (سبتمبر)، أي قبل يوم واحد من اندلاع الاشتباكات في 17 من نفس الشهر، كانت الحكومة العسكرية تشكلت في 15 أيلول (سبتمبر)، وفي 16 من الشهر نفسه تم سحبنا من البيت في منطقة الدوار الأول إلى بيت الشهيد وصفي التل.

• لكن، ما هي أسباب إبعاد أحمد الطراونة عن الحلقة الضيقة ما قبل أحداث أيلول؟

-حصل هناك خلاف بين والدي وبين المرحوم بهجت التلهوني بعد العام 1967، واستمر الوضع كذلك في فترة حكومتي بهجت التلهوني وعبدالمنعم الرفاعي، وهما مدرستان بعيدتان عن والدي، فأبعد.

الخلاف كان سياسيا، انصب على فكر إدارة الدولة من جهة، وعلى التعامل مع مصر وسورية من جهة أخرى، وحتى مع المنظمات الفلسطينية.

• إذن، بداية مشوارك العملي كانت على وقع أحداث دامية؟

-أنهيت سنة رابعة في الجامعة مع انتهاء أحداث أيلول، لكن ذيولها كانت ما تزال قائمة، واستمرت أوائل العام 1971 إلى أن حدثت أحداث جبل الأقرع وانتهت العملية تماما في شهر حزيران (يونيو)، وخرجت المنظمات نهائيا من المملكة. وتخرجنا من الجامعة.

أذكر أنه في يوم من ذلك العام، كان جلالة الملك يريد الرد على الباهي الأدغم وجعفر النميري، اللذين تقوّلا على الأردن تقولا عجيبا، فطلب الحسين والدي الى قصر الحمر، ليكتبا رسالة للرد على النميري، وقد استخدم الحسين الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، فأخذت والدي للحمر.

يومها انتظرت والدي حتى ينهي زيارته لجلالة الملك، وخرج الرابعة فجرا، وخرج معه الحسين رحمه الله، وهذا خلق الهاشميين وما ميزهم عن ملوك الأرض، حيث يوصلون ضيوفهم لباب البيت، فرأيت جلالته، فنزلت من السيارة للسلام عليه، فسألني جلالته "شو بتعمل هون؟" فأجابه والدي "أوصلني"، فرد جلالته "من امبارح؟"

فقال الحسين: "له له يا أبو هشام، على بيتنا وابنك يظل بره؟!". ويوجه الكلام لي ويقول: "أرجو المعذرة". هذا ملك البلاد يعتذر من شاب صغير. ولك أن تسأل بعد ذلك عن هذا الخلق وهذه الإنسانية، فأجبته يا سيدي "أنت طول عمرك واقف لنا في هذه الدنيا، ماذا لو انتظرت أنا قليلا".

وسألني جلالته عن دراستي فأجبته: "والله يا سيدي بيديك الكريمتين سلمتني الشهادة"، حيث كان قد خرجنا قبلها بقليل من الجامعة، فقال "شو بدك تعمل"؟، فرد والدي "بده يروح على أميركا يكمل دراسته"، فقلت مباشرة: "والله أتمنى أن أكون بمعية سيدنا مع هالشباب"، فتوجه الحسين لوالدي سائلا: "شو يعني"، فرد والدي "يا سيدي بده يكمل دراسته، وتصبح على خير".

أثناء العودة كان والدي منفعلا، وقال لي: "قلت لك طول ما أنا رئيس ديوان ما راح أعينك بالديوان".

كان كل زملائي: أمجد المجالي ومجحم الخريشا ومحمد العدوان وفواز أبو تايه، يعملون في التشريفات في الديوان الملكي، وكنت أرغب في الانضمام لهم، لكن والدي بقي مصمما على أن أذهب عند أخي هشام لأكمل دراستي.

في اليوم التالي جاء لزيارتنا الشهيد وصفي التل، رحمه الله، وكان رئيسا للوزراء، فسألني عما أرغب في العمل به بعد تخرجي، فأجبته برغبتي في الانضمام لزملائي في العمل بالديوان الملكي، وقلت له إن والدي لا يقبل بذلك، فقال لي: "شو بدك فيه، عند عمك"، وضرب على صدره.

بعد يومين جاء والدي، وقال لي أظن أنك ستتعين في الديوان، فسألته:

كيف؟ فقال إن أبو مصطفى طلب ذلك من سيدنا، وسيدنا قال "بلاش مقارعة، وفايز لاحق على الدراسة، فما عرفت أقول لسيدنا لأ".

فتعينت في الديوان الملكي موظفا في الدرجة السابعة. وأذكر تلك اللحظة، جاء والدي بكتاب التعيين، وعليه توقيعه، وقال "والله والله، إذا قلت في يوم من الأيام داخل الديوان الملكي إنك فايز أحمد الطراونة ما بتظل يوم واحد في الديوان، روح اشتغل مع الشباب، وإياك أن تستخدم اسمي".

• في هذه الأثناء، كيف تعامل والدك معك سياسيا؟

-بدأ يشعر والدي أنني أعرف طريقي. درست الاقتصاد، وتوجهت للعمل في التشريفات. كان يعرف بأنني قصدت من عملي في التشريفات شيئا أبعد من الوظيفة الفنية لموظف التشريفات، ويعرف بأني قصدت أن أدخل وأتحرك في أهم مركز لصنع القرار، بحيث أعرف جيدا، ويتعرف الآخرون علي جيدا. كل ما كنت أحتاجه من وظيفة التشريفات هو المدخل، وكانت وظيفة الديوان الملكي هي الفرصة. طبعا كانت هذه الوظيفة نافذة لتعاملك مع كل الناس، وكنت ابن رئيس الديوان، وعملت تحت يد أستاذي ينال حكمت، حيث كان يطرح في الاجتماعات قضايا كثيرة، كنت أتحملها أنا، فيما اعتبرها غيري من خارج صلب العمل.

كنت أعمل كثيرا، وكنت أستقبل أي ضيف، ولا أعرف التقاعس عن أي مهمة. وحتى بعدما خرج والدي من الديوان، وصار نائبا لرئيس الوزراء أحمد اللوزي، كان الناس يسألونني: هل أحمد الطراونة "يقربلك"؟ ونتيجة العمل المتواصل صرت معروفا جيدا للناس.

إن رقمي عندما عملت في التشريفات 13، وبدأت أفكر بالتحرك والتقدم، خاصة أنني كنت مساعدا لرئيس تشريفات بالدرجة السادسة كسائر الزملاء، فبدأت أبحث عن فرصة لإكمال دراسة الماجستير.

في يوم كان المجلس الوطني للتخطيط، يوفر بعثات لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة، فطرح بعثات للتنافس عليها، فنسبت للماجستير، وتقدمت للشروط والامتحانات ونجحت. كنت أول موظف من الديوان الملكي يبتعث على نفقة الدولة للدراسة بالخارج.

عندما تأكدت البعثة فكرت بالزواج، لكن الحالة المادية كانت عادية، وراتبي كان 39 دينارا، لكني أريد أن ارتبط بمن أحببت منذ سنوات الجامعة.

وكان من أسباب إقبالي على البعثة أصلا هو تعزيز الفكر الاقتصادي لدي للدخول في العمل السياسي، وأيضا، الاستعجال في الزواج من رويدة، وهذا ما حصل، فخطبتها.

• وهل تزوجت قبل السفر فعلا؟

- نعم. وكان تقرر السفر في 21 أيار (مايو) 1973، والسفر بعد يوم، أي في 22 من نفس الشهر، على أن نبقى أنا وعروستي في نيويورك أربعة أيام كشهر عسل قبل أن ننطلق إلى كاليفورنيا للحاق بالفصل الصيفي في الجامعة.

يومها توجه والدي، وكان نائبا لرئيس الوزراء وزيرا للداخلية، إلى الديوان لدعوة جلالة الملك إلى حفل استقبال بسيط في نادي الملك الحسين بمناسبة زواجي، ففضل جلالته أن تحتفل العائلة بالعرس، على أن يشرفنا جلالته في البيت لاحقا لتناول العشاء بمعية عدد قليل من الأصدقاء.

فتأجل سفري حتى 26 من نفس الشهر، لحضور دعوة الحسين الى بيتنا، فشرفنا جلالته يوم 25، وكان بمعيته جلالة الملكة علياء، رحمها الله، وأحمد اللوزي وبهاء طوقان والمرحوم محمد رسول الكيلاني، وزيد الرفاعي ومضر بدران.

كان لدينا صالونان في بيتنا، الذي صار بيتي بعد أن رحل والدي إلى الدوار الرابع. واستغرق جلالة الحسين منذ لحظة وصوله البيت في حديث مع اللوزي ووالدي، للتخطيط لعمل الحكومة خلال الستة أشهر المقبلة، فيما جلس الرفاعي في الصالون الثاني، ولم يختلط كثيرا مع الضيوف، وواصلوا سهرتهم حتى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. في اليوم الثاني سافرنا. وفي ذات اليوم استقالت حكومة أحمد اللوزي وشكل الرفاعي حكومة جديدة.

• بعدها، هل استمر صالون أحمد الطراونة السياسي؟

- دعني أصحح المفردة. لم يكن لوالدي صالون سياسي، بل كان يتندر على المفردة كثيرا. بل كان لوالدي وفي بيته ملتقى للأضداد، وبينهم يبدأ الحوار الإيجابي، الذي كان يصل إلى حد حل النزاعات بين المتخاصمين، على صيغة إصلاح ذات البين.

• وماذا عن علاقة والدك بوصفي التل؟

-علاقته بوصفي كانت عادية في حكومة وصفي الأولى. لكن علاقتهما صارت قوية وتوثقت خلال فترة أزمة أيلول. كان وصفي لا يحمل مسمى وظيفيا وقتها، وتواجد مع والدي وزيد الرفاعي وحابس المجالي والأمير زيد بن شاكر وهاني الخصاونة مدير التشريفات، وصلاح أبو زيد وهاني خليفة في قصر الحمر خلال فترة الأزمة، وخلال ولاية الحكومة العسكرية.

وبقي والدي ووصفي مع الحسين في قصر الحمر، فيما تواجد المشير حابس وأبو شاكر في القيادة العامة للقوات المسلحة، فتطورت علاقة والدي مع وصفي التل وزيد الرفاعي، وربطهم الإيمان المطلق بالوطن، والولاء المطلق للحسين، كانوا رجالا صلبين، يقدرون الظرف السياسي جيدا.

وقبلهم أيضا، كان عبدالمنعم الرفاعي وبهجت التلهوني اللذان كانت حسابات دخولهما وخروجهما من الحكومة تأتي على أرضية التقارب مع دولة عربية أو الابتعاد عن أخرى، وكانوا يقبلون ذلك من جلالة الملك، ومن دون خصومة سياسية.

• وكيف كان نبأ استشهاد وصفي عليكم؟

-كنت جالسا في البيت وأستمع إلى إذاعة الـ"بي بي سي"، وجاء الخبر أنه "يخشى أن يكون رئيس وزراء الأردن قد قتل في القاهرة على يد مسلحين". بعد دقيقتين رن هاتف البيت واستدعيت الى الديوان كسائر الموظفين. وصلت مع وصول ينال حكمت بعد الساعة الخامسة، وحضر جلالة الملك وسمو الأمير الحسن بالهيلوكبتر الى القصر بعد أن كان في عزاء بمضارب بني صخر.

كان والدي رئيسا للديوان وموجودا في أبو ظبي، يحمل رسالة رسمية. طبعا وصفي كان في مؤتمر وزراء الدفاع العرب بالقاهرة، فدخل سيدنا، وبكل رباطة الجأش سأل: أين أبو شاكر؟ فقلنا في الطريق وإذ به يدخل، فقال جلالته لأبو شاكر: "حراسة مطلقة على كل المخيمات في الأردن، وبالذات في الشمال، ما بدي عبث من أي أحد، أو أن يدخل لينفذ انتقامات".

وأمر جلالته بطائرة لتحضر والدي من أبو ظبي، حتى لا تكون هناك ضربة متزامنة لشخص آخر في بلد آخر، وطلب تشديد الحراسة على والدي. ثم طلب الحسين أن ننادي أمجد المجالي، وكان موظفا في التشريفات وقتها، وكأنه أراد أن يربط بين الشهيد هزاع والشهيد وصفي، اللذين استشهدا وأهديا روحيهما للوطن، وكأنه أراد أن يواسي أمجد ويواسي نفسه.

كان جلالته يدهشنا في كل تصرفاته. في إحدى المرات، وأثناء علاج جلالته في الولايات المتحدة، قال لي: "بتعرف ما هو أجمل ما قيل فيّ؟ واستدرك "من المرحوم والدك، فمرة وفي موقف ما قال لي: "الحسين بن طلال أقوى من الملك حسين، فتخيل، كان يقول لي الإنسان فيك أقوى من الملك". فالملك يعطيك صلاحيات دستورية وبحكم المنصب تصبح قويا، وبحكم الدستور، أما الإنسان فيعطيك القوة المطلقة، وهذا صحيح فقد كان قويا جدا، ولذلك كان متسامحا وكان عفوا، ويكظم غيظه، فالقوي من يسامح، والجبان من يمحق أعداءه.

أما والدي فقد ظل صدى قوله "لا تكبر فالله أكبر" يحاكي دواخلي. وما زلت أتذكر كيف كان يردد على مسامعنا قوله تعالى: "ولا تمشي في الأرض مرحا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا". كان والدي هو أستاذي، وكان الشخصان اللذان تركا أثرا في شخصيتي، هما والدي والمغفور له الملك الحسين.

تعلمت منهما التواضع. لا تتخيل حجم الهلع الذي كان يعصف بنا إذا ما ارتكبنا خطأ فنيا في عملنا كموظفي تشريفات. ولكن لن تتخيل أيضا كيف كان جلالته يعالج الهلع بابتسامته ودماثة خلقه.

وأذكر في إحدى المرات، وبعد أن ارتكبت خطأ برتوكوليا أثناء زيارة شاه إيران إلى المملكة، وتسمرت في مكاني، فهمس رحمه الله في أذني: "بتصير يا فايز، لا تهكل هم، فكها". وكان يطبطب على ظهورنا، ويبتسم في وجوهنا. كان رحمه الله أستاذا في التواضع.

•لكن ألم يكن حصولك على المنحة بحكم الميزة التفضيلية لموظف الديوان وقتها؟

-المرحوم حنا عودة رحمه الله لم يكن يعرف شيئا اسمه واسطة، وكان مستقيما لدرجة كبيرة جدا. ولولا أنني حصلت على علامة عالية بـ"التوفل"، وانطبقت عليّ كل الشروط لما حصلت على المنحة. وبالمناسبة حصلت على قبول سريع من جامعة جنوب كاليفورنيا، فكان ذلك الأمر هو الذي سهّل عليّ السفر بسرعة.

كان هدفي وأنا في الولايات المتحدة أن أنهي دراستي بسرعة، وساعدني في ذلك وجود زوجتي معي، فلو كنت أعزب فقد كان يمكن أن تأخذ الأمور فترة أطول. فأنهيت الدراسة بوقت قصير وبتقدير امتياز، ولم تستغرق مني دراسة الماجستير سوى 14 شهرا.

في ذلك الوقت تموز (يوليو) 1974 كان عدد الحاصلين على درجة الماجستير في الاقتصاد قليلا، وبعد عودتي عدت للعمل في الديوان، ورآني سيدي سمو الأمير الحسن بن طلال، وقال لي: "ما ضل مجال تبقى في التشريفات". فكانت رغبة سموه أن ألتحق بالدائرة الاقتصادية في الجمعية العلمية الملكية، وقد سعدت بالفكرة، فالوظيفة الجديدة تمكنني من الحصول على ضعف راتبي، ولعريس جديد فهذا الأمر مهم.

بعدها، وعندما قابلت جلالة الملك الحسين رحمه الله، أبلغني برغبة جلالة الملكة علياء، رحمها الله، في أن أعمل معها مديرا لمكتبها، فقطعت جهينة قول كل خطيب. وكنت أعرف المرحومة الملكة علياء منذ كنا صغارا، حيث كان بيت والدها بهاء طوقان مجاورا لبيتنا، وكنت، أثناء صغري ألعب مع أختي فايزة والملكة علياء لتقارب السن بيننا، وأقحم نفسي في ألعابهما إقحاما.

ثم أخذتنا الدنيا بعد سفر والدها سفيرا في إيطاليا، ثم عودتها وزواجها من الملك الحسين، فلما رأتني في الديوان بعد عودتي من أميركا طلبت مني أن أكون معها في مكتبها. طبعا نظرت لتلك الوظيفة نظرة سياسية، وحاولت من خلالها أن أقدم خدمة للوطن، وأن أقترب أكثر من جلالة الملك، فأتعلم أكثر.

وبقيت موظفا في التشريفات، ومديرا لمكتب جلالتها. لم يكن لها مكتب منفصل، فكانت تقيم في قصر الندوة، فكانت فرصة للاقتراب أكثر من جلالة الملك.
avatar
المحامي حسن الطراونة
Admin

عدد المساهمات : 312
تاريخ التسجيل : 14/05/2010
الموقع : hasan-tr.alafdal.net

http://hasan-tr.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى