منتدى الطريق للحق.. بإدراة المحامي حسن موسى الطراونة
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم...... يشرفنا أن تقوم بالتسجيل ...

دراسة للدكتور معروف البخيت : وصــفي التل .. مقاتلاً عسكرياً ومفكراً استراتيجياً

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دراسة للدكتور معروف البخيت : وصــفي التل .. مقاتلاً عسكرياً ومفكراً استراتيجياً

مُساهمة  المحامي حسن الطراونة في الأحد نوفمبر 28, 2010 7:46 am

دراسة للدكتور معروف البخيت : وصــفي التل .. مقاتلاً عسكرياً ومفكراً استراتيجياً




تنشر (الرأي) دراسة قدمها رئيس الوزراء السابق العين معروف البخيت في الندوة التي اقيمت امس بمناسبة ذكرى استشهاد وصفي التل , التي تعد دراسة شاملة عن الشهيد الراحل وفيها اطلالة على جوانب مهمة من شخصيته لم تكن معروفه من قبل خاصة العسكرية منها .
وقد اجتهد البخيت في دراسته في تتبع حياة الشهيد التل منذ نشأته وبواكير حياته والظروف التي مر بها والتي اسهمت بوضوح في بناء شخصيته واكسبتها صفاتها . تاليا نص الدراسة .

رمز وطني وتاريخ اردني

• إن الحديث عن رمز وطني أردني، بحجم وصفي التل، وبالأساس حول شخصيته وتاريخه القتالي وفكره العسكري؛ يطول، ويتطلب قدراً كبيراً من الدقة والتبصر والحكمة. والحديث عن هذا الجانب من نضال وفكر وصفي، هو حديث يمس تاريخنا الوطني وتلك الجهود الأردنية والمواقف التاريخية للأردن: قيادة هاشمية ونخباً ومواطنين في الدفاع الشجاع البطولي عن عروبة فلسطين، قتالاً باسلاً، وصدقاً ووضوحاً فكرياً. وهو جانب مهم وموثق، لولا أنه، وبكل أسف، كان عرضة للإجحاف من قبل البعض، أو التجاهل من قبل آخرين... وفي محطات عديدة، لأسباب سياسية أو دعائية آنية، ومواقف التطرف الكاذب، وخداع النفس، والتضليل، وتبرير العجز.
• إنني أدرك تمام الإدراك، صعوبة الحديث عن الجانب العسكري في شخصية وصفي، بعيداً عن فكره وأرائه ومواقفه السياسة؛ لأن الصفات العسكرية في شخصية وصفي وفكره كانت حاكمة وطاغية وأثرت في كل تفاصيل حياته، كما سيتبين لاحقاً.
• ومع الأخذ بهذا التحوّط، يبقى القصد هنا؛ إتاحة الفرصة أمام الأجيال الشابة والقادمة، للاطلاع على تجربة وصفي الوطنية، ووضع فكر الشهيد ومواقفه في السياق الوطني الأردني. وهكذا، لا بد من الوقوف على الآراء والأفكار التي قدمها الأردنيون في القضايا المصيريّة للأمة، التي لو تمّ الأخذ بها في حينها لتغير الكثير، ولما وصلت الأمة إلى ما هي عليه الآن.
• وقبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد من تسجيل جملة من الملاحظات:
أولاً: لا أعلم عن أي مسؤول سياسي أردني رفيع، بحث ودرس وحلل وكتب وحاضر ونشر حول قضايانا الوطنية أكثر مما فعل وصفي التل.
ثانياً: تمحورت كل كتاباته حول القضيّة الفلسطينية ؛ تحليلاً لفشلنا وعجزنا عن الدفاع عنها والوقوف بوجه المشروع الصهيوني، واقتراحاً لمشروعات عربيّة إستعداداً لمعركة المصير وتحرير فلسطين؛ يكون الأردن فيها رأسَ الحربة ومفتاح الصدام. فهو إذن، بهذا المعنى: صاحب مشروع، قاتل وناضل وجادل وأستشهد من أجله.
ثالثاً: إن علم وصفي التل وثقافته ومعارفه العسكريّة الواسعة والعميقة،لم تأت من تدريبه العسكري أوخدمته في الجيش البريطاني وجيش الإنقاذ،فحسب؛وإنما يقيناً،هي حصيلة إهتمام شخصي وقدرات ذهنيّة، وتوفردافعيّة ذاتيّة قويّة لديه.
رابعاً: تمتع وصفي بمهارات عقليّة مكنته من القدرة على التحليل الإستراتيجي، إضافةً لخبرته ومعرفته بأمور الميدان والتعبئة الصغرى، وسعة إطلاعه على شؤون علم الحرب بشكل شامل. لقد كان مهتمّاً بالفكر العسكري وبالتاريخ العسكري، وبشكل خاص الحروب الأوربية.

شخصية وصفي التل
• لقد كان لظروف نشأة ودراسة وصفي، تأثير بالغ وملحوظ في تكوين صفاته العسكرية والقيادية. ولد عام 1919 في بلدة عربكير في شمال العراق، وعاش حتى عام 1924 في منزل جده لأمه الكردي إبراهيم بابان. فإذا سلمنا بأن شخصية الإنسان تتشكل في السنوات الأربع أو الخمس الأولى من حياته؛ فهذا يفسّر وجود بعض الخصائص الكرديّة لديه من مثل الصلابة والعناد التي تمّيز بها طيلة حياته. يضاف إلى ذلك؛ إذا ما صحّت الرواية بأن جد وصفي قام بحبسه ذات يوم مع أفعى وطلب منه أن يقتلها؛ فإن هذه الحادثة تدل على سمات شخصية الجد من جدية وصلابة، وشخصية وصفي الذي نجح في التحدي. هذا، وعندما عاد وصفي إلى إربد لم يكن يعرف العربية، ولكنه بإرادته القوية تأقلم بسرعة مع زملائه خاصة عندما التحق بمدرسة إربد.
• ظهرت عليه في تلك الفترة صفات الإستقلال والعناد وحب الابتكار.أثناء دراسته، في الطفولة والشباب،كان هناك جملة من الحوادث والمواقف، أظهرت الميول العسكريّة والقيادية لديه، وفي مقدّمتها؛
أولاً: التعلق بأدوات القتال وصناعة ما يماثلها. مثل؛ صناعة القوارب الخشبية وصناعة طائرات الورق المقوى وإضاءتها ليلاً، وصناعة رصاص لبندقية الصيد من الأسلاك المعدنية.
ثانياً: الإهتمام بالتاريخ ومتابعة مجريات الأحداث في فلسطين. ساعده في ذلك إعجابه في معلم مادة التاريخ حينذاك، الأستاذ سعيد الدرّة.
ثالثاً: خروجه ورفاقه إلى الصيد في بعض المواقع القريبة من إربد. وتعلمه الرماية، وإتقان إصابة الهدف.
رابعاً: مشاركته في تأسيس جمعيات سريّة أثناء الدراسة (الكف الأسود، وجمعية الحرية الحمراء) مع رفاق الدراسة أمثالSadحمد الفرحان وشفيق أرشيدات وإسماعيل النابلسي وهزاع المجالي وآخرون) وقيامهم بصنع المتفجرات وإلقاء القنابل والقيام بالمظاهرات أيام الثورة الفلسطينية عام 1936.
• أثناء دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت؛ وبدافع من شعوره القوي بالقضايا القومية، بدأ وصفي مع رفاق له بالتعرف على مختلف الحركات القومية التي كانت تستقطب الطلاب العرب وخاصة الجدد. ناقش وصفي وجادل العديد من ناشطي هذه الحركات، وقرر بعد قناعة الالتحاق بحركة القوميين العرب. كانت الحركة تقوم على المفهوم القومي العام، دون برامج واضحة حول القضايا الاقتصاديّة والاجتماعية. كان الاعتقاد السائد لدى منتسبي حركة القوميين العرب بأنه لا مفر من المواجهة مع الصهيونية. وأن الصدام أمر حتمي. كما أن المعركة مع قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي الداعمة للمشروع الصهيوني؛ قادمة لا محالة. ولذا؛ لابد من التدرّب على حمل السلاح. وفعلاً، بدأ شباب القوميين العرب بالتدرب على استخدام السلاح في أحراج لبنان. وكان وصفي في الطليعة منهم. هذا وكانت تنشب نقاشات بين ناشطي القوميين العرب والقوميين السوريين؛ تحتدّ وتتطور أحياناً إلى صدامات وعراك، أصيب وصفي في إحداها.
• ومع بدء الحرب العالمية الثانية عام 1939، تعاطف الكثير من العرب مع ألمانيا لموقفها العدائي من اليهود. كما إنها تقاتل أعداءهم بريطانيا وفرنسا. وعند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية في العراق، في أيار 1941، اشترك وصفي وزملاؤه الأردنيون في مظاهرات صاخبة تأييداً لتلك الحركة. وتحمّس بعضهم للتطوع بالقتال. وسافروا إلى بغداد. ومن هؤلاء حمد الفرحان، إلا أنهم عادوا من الطريق عندما علموا بإخفاق الحركة.
• في ذلك العام، أنهى وصفي دراسته وعاد إلى الأردن.إلتحق بسلك التعليم وتعيّن في مدرسة الكرك لمدة شهر وتمّ نقله بعد ذلك إلى مدرسة السلط. روى بعض زملائه وطلابه إنه كان أثناء تدريسه؛ يأخذ وقتاً طويلاً لمناقشة القضايا الوطنية مع الطلاب،ويسهب في الحديث عن مخاطر المشروع الصهيوني وضرورة الوحدة العربية.

الحياة العسكريّة
• كان وصفي يؤمن، وربما بتأثير من مبادئ القوميين العرب، بأن من الواجب أن يتمّ تأهيل قادة عسكريين يتولون مسؤولية القيادة في المواجهة المصيرية. وهذا التأهيل لن يتم إلا من خلال الإلتحاق بالجيوش النظاميّة. ويبدو أنها كانت أمنية لديه أن يصبح ضابطاً ويكتسب خبرة ميدانيّة.
• في صيف عام 1942، حدث تحوّل في حياة وصفي، إثر حادثه تتعلق بوالده. قضى وصفي فترة في سجن المحطة إلى جانب والده؛ وأنهت بذلك عمله في سلك التعليم. بعد ذلك، تقدم وصفي بطلب للإلتحاق بالجيش العربي، الذي كان يمرّ في مرحلة توسع وتطوير. إلا أن طلبه رُفض بداعي سياسة عدم قبول الجامعيين في الجيش.
• في ذلك الوقت، فتح الجيش البريطاني باب التطوع؛ فلم يجد وصفي مجالاً إلا الإلتحاق بالجيش البريطاني مع أكثر من عشرة ألاف عربي،أغلبهم فلسطينيون.هذا وكانت قيادات حركة القوميين العرب تشجع وتحث على الإلتحاق بالجيش البريطاني بهدف التدرب على حمل السلاح وإكتساب الخبرة القتالية إستعداداً للمعركة المقبلة،وأسوة بما كان يفعل اليهود.
• إلتحق وصفي بفرع الكلية العسكريّة البريطانية في صرفند في فلسطين، في أواخر عام 1942. وشارك في دورة المرشحين لمدة خمسة أشهر تخرج بعدها برتبة ملازم ثاني. قال السيد فؤاد طهبوب، أحد زملائه في الكلية: «كان وصفي من القلة القليلة، من الفئة المختارة الذي أدرك ضرورة التدرب على حمل السلاح، ومن الفئة الشجاعة أيضاً». وقد وصفه بأنه كان يعمل بجد وحماس على إستيعاب الدروس النظرية والعملية، حيث كان التدريب شاقاً. والواقع، لقد تميز الجيش البريطاني، دوماً، بالتدريب القاسي العنيف، والتقيد الدقيق بالأعراف والتقاليد الصارمة، مع الإلتزام بمنهجية تفكير تعتمد العقل المنظم.
• مع نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بدأت بريطانيا بتسريح معظم قواتها، فخرج وصفي من الخدمة بعد ثلاث سنوات وصل فيها إلى رتبة «كابتن» نقيب. لقد إستفاد من هذه الخبرة العملية، ورسخت لديه منظومة القيم العسكرية الصارمة من إنضباط وإلتزام وإحترام الوقت وطريقة التفكيرالمتسلسلة الواضحة.ويقيناً،إن هذه التجربة تركت أثاراً عميقة واضحة في أسلوب تفكيره وعمله.
• ما بين عامي 1945 – 1947، عمل في المكتب العربي في القدس والمعني بشرح القضيّة الفلسطينية، وبإدارة موسى العلمي. أُعجب العلمي بذكاء وحماس وصفي وتم تعيينه في مكتب لندن. والملفت للنظر في هذه الفترة، أن وصفي بادر بتقديم مذكرة إلى العلمي شرح فيها أسلوب مواجهة القوات الصهيونية وإقترح إنشاء قوة عسكرية فلسطينية، تتألف من وحدات مقاتلة صغيرة، لمواجهة التنظيمات العسكرية اليهودية.
• في تشرين ثاني 1947، إتخذت هيئة الأمم قرارها بتقسيم فلسطين. عند ذلك، قرّرت جامعة الدول العربية تشكيل لجنة عسكرية مقرها دمشق، والتي بادرت إلى دعوة المتطوعين القادرين على حمل السلاح للإلتحاق بجيش الإنقاذ. كانت هذه هي الفرصة التي إنتظرها وصفي وإستعد لها؛ فكان في طليعة من لبّوا النداء ليلتحق بجيش الإنقاذ.

الخبرة القتالية
• بدأ وصفي عمله بإشغاله موقع ركن عمليات تحت قيادة اللواء إسماعيل صفوت، رئيس اللجنة العسكريّة. ولاحظ وصفي منذ البداية، جهل القيادات المسؤولة عن التخطيط في جيش الإنقاذ بالمعلومات عن العدو وقواته. ولهذا كان اللواء صفوت شأنه شأن العديد من كبار العسكريين والسياسيين في ذلك الوقت يميل إلى الاستهانة بالقوات اليهودية. وبدأ وصفي يشرح لهم عن إمكانيات اليهود العسكريّة وتشكيلاتهم ذات التدريب الجيد. إثر ذلك، بادر كعادته، وقدم تقريراً مفصلاً، شاملاً تقدير موقف للطرفين، ومقترحاً خطة عمليات للجيوش العربية. وأوصى أن يتبناها اللواء صفوت وأن يعرضها على القادة العرب.
• كانت الملامح العامة للخطة تقوم على أن تتقدم القوات السوريّة واللبنانية وكذلك جيش الإنقاذ من الشمال، على أن تقود التقدم قوة مدرعة عراقيّة لاحتلال مدينة حيفا. وأن يقوم الجيش المصري، بنفس الوقت، بالتقدم على المحور الساحلي لإحتلال مدينة يافا. أما القوات الأردنية والعراقية؛ فتعمل على إحتلال مرتفعات القدس وإجتيازها وصولاً إلى البحر. ويتضح في الخطة أمران؛ الأول أن الهدف من إحتلال يافا وحيفا هو حرمان القوات اليهودية من إستخدام الموانئ الرئيسية. أما الأمر الثاني؛ فهو إدراك وصفي لأهمية مرتفعات القدس إستراتيجياً؛ إذ أن من يسيطر عليها يسيطر على الساحل الفلسطيني غرباً. ولكن، ولسوء الحظ، لم يعرض اللواء صفوت الخطة على أي قائد عربي، بذريعة أنهم لو إطلعوا عليها لأحجموا عن إرسال قواتهم للجبهة!
• وعلى كل الأحوال، بدأ جيش الإنقاذ عملياته، قبيل دخول القوات العربية في 15 أيار 1948، في مناطق وسط فلسطين. فشل جيش الإنقاذ، وإنهزم في أولى معاركه وهي معركة الزراعة وبعد ذلك في معركــة (مشمار هاعيميك). في نفس الوقت، لم تهتم قيادة جيش الإنقاذ بمعارك القدس التي كان يخوضها عناصر من جيش الإنقاذ مع متطوعي الهيئة العربية العليا، كما أنها ارتكبت أخطاء عسكرية فادحة في معركة حيفا أدت إلى سقوطها. وإجمالاً فشل جيش الإنقاذ في كل المعارك والمواقع، مما أدى إلى سقوط مدن فلسطين الرئيسية: يافا وحيفا وعكا وطبريا وبيسان، ومعظم مدينة القدس، في أيدي القوات اليهودية، قبل دخول الجيوش العربية؛ مما أدى إلى صدور قرار انسحاب جيش الإنقاذ من فلسطين وعودته إلى دمشق لإعادة التنظيم.
• إثر دخول الجيوش العربية إلى فلسطين؛ ظهرت الحاجة للاستعانة بجيش الإنقاذ لدعم الجيشين السوري واللبناني. في هذه المرحلة، كان قد تم تعيين وصفي التل قائداً لفوج اليرموك الرابع. وشارك فوج وصفي في الهجوم الناجح لإعادة احتلال المالكية، باقتحام مكشوف جريء ومفاجئ، وبشكل صاعق، أدى إلى هزيمة العدو وانسحابه بشكل غير منظم. ومع أن المعركة كانت مثاليّة، إلا أن قيادة جيش الإنقاذ لم تقم بإستثمار الفوز ومطاردة فلول العدو.
• بعد ذلك، قاد وصفي فوجه في معركة الشجرة. وقاتل وفوجه ببسالة وشجاعة نادرة؛ حيث أصيب بشظية بقيت أثارُها في رجله. لكن الإصابة، لم تمنع وصفي من الإستمرار بالمشاركة في المعارك اللاحقة. إندفع بعد ذلك إلى ترشيحا وسخنين مواجهاً القوات اليهودية في سلسلة من المعارك. وعن شجاعة وصفي في هذه المعارك، قال أحد رفاقه: «لم أعرف أحداً فاق وصفي بشجاعته وجرأته وحكمته في القتال».
• وعندما صدر قرار جيش الإنقاذ في 29/ 10/ 1948، بإنسحاب قواته إلى جنوب لبنان، بداعي الخوف من تطويقها من قبل العدو؛ رفض وصفي الأوامر. وناقش وتساءل كيف ينسحب وقواته لا تزال صامدة، وتتمتع بمعنويات عالية، ولم يتمكن العدو من التقدم خطوة واحدة! يضاف إلى ذلك وجود قوات في حالة إشتباك مع العدو وليس من السهل إنسحابها قبل أن تقطع التماس مع العدو. لقد أرسل للقيادة رسمياً موضحاً عدم ضرورة الإنسحاب ومؤكداً إستعداده للقيام بهجمات معاكسة. ومع إصرار القيادة على الإنسحاب؛ كان فوج وصفي آخر من إنسحب من الجليل إلى لبنان.
• فيما بعد، إنتقل فوج وصفي إلى الجولان. وكان وصفي قد أصبح في هذا الوقت برتبة مقدم. في تلك الفترة، قام الضابط حسني الزعيم بإنقلاب عسكري في سوريا في 30/ 3/ 1949. وعندما وصل إلى وصفي أنباء المحادثات التي كان يجريها حسني الزعيم لفرض الهدنة، غضب وعرض على ضباط الفوج فكرة إنتقال الفوج إلى منطقة نابلس لإستئناف القتال. وافق الضباط وبدأ الفوج بالإستعداد لتنفيذ الفكرة. علمت القيادة السوريّة بالأمر؛ فإستدعت وصفي وأمرت بسجنه في سجن المزة. وبعد فترة تم ترحيله للأردن.

العودة إلى الأردن
• عاد وصفي وبدأ حياته مرة ثانية بالوظيفة العامة. وخلال الإثنتي عشرة سنة التالية؛ تقلد وصفي مسؤوليات عديدة وفي مواقع مختلفة سياسيّة وإعلاميّة ودبلوماسية، وصولاً إلى تشكيله الحكومة لأول مرة عام 1962.
• حين عاد إلى الأردن، كانت هزيمة 1948 قد تركت أثراً بالغاً في نفسه. ومع أن الهزيمة عامّة لكن وصفي المقاتل المحترف إعتبرها مأساة شخصية. لقد كتب في عام 1950 عدة مقالات في مجلة الهدف الأسبوعية التي كانت تصدر في القدس عن قصة جيش الإنقاذ؛ إعتبر وصفي أن جيش الإنقاذ في تشكيله وقتاله وهزيمته، برهان واضح على خطأ إجتهاد الجامعة العربية في السياسة والحرب وفي تقديرها للموقف في فلسطين.. مؤكداً أن أي دراسة لهذا الجيش تظهر بوضوح خطوط الهزيمة التي رسمها العرب لأنفسهم في فلسطين. وبّين أنه من الظلم أن نتهم نحن عرب فلسطين بالضعف، وأننا نتحمل قسماً من مسؤولية الهزيمة،وسنوجه التهمة نحن لأنفسنا وبصورتها الصحيحة.
• وعلى مدار 13عدداً نشر وصفي بحثاً عن جيش الإنقاذ؛ إتسم بالصراحة والصدق مع النفس. إستعرض في بحثه طريقة تشكيل جيش الإنقاذ والعقبات التي واجهت التشكيل، وأسلوب التجنيد والتدريب، وتشكيل القيادة؛ مستعرضاً بالتفصيل المعارك التي خاضتها تشكيلات الجيش، واقفاً على أسباب الهزائم في معظم مجرياتها.
• توصل التلّ إلى القناعة بأن هزيمة جيش الإنقاذ سببها عدم استخدام إمكانياتنا المتوفرة، وإن عدم استعمالها عن عمد أو إهمال أمرٌ أشد ألماً من الهزيمة نفسها. ومع هذا، فهو يعتقد إنه عندما نسخر كل إمكانياتنا ونضعها بوعي وتصميم في المعركة، وعندما نعمل بجد ومسؤولية ونفشل؛ فلا مجال للوم النفس.
• لقد فند وصفي كل أعذار المسؤولين عن فشل جيش الإنقاذ، التي تركزت في نقص الضباط والقادة وقلة الجنود المدربين وكذلك قلة السلاح. وبيّن أن الضباط أصحاب الخبرة موجودون ولكن لم يتم جمعهم، ولم يتم بذل جهد حقيقي لتدريب المتوفر منهم.أكد على أنه كان هناك في فلسطين 28 ألف مجند سابق في الجيش البريطاني أو قوة حدود شرق الأردن،لم تعمل قيادة جيش الإنقاذعلى إستدعائهم أو جمعهم. أما بخصوص قلة السلاح؛ أوضح وصفي أن هذا عذر لا يستند إلى الواقع، لأن تجار الأسلحة تقدموا إلى كل الدول العربية بعروض لتأمين الأسلحة. ولكن الجامعة العربية تلكأت وتردّدت في إتمام الشراء. ووصف قصة شراء الأسلحة بالمؤلمة والطويلة. وبأنها كانت سلسلة لا نهاية لها من الأخطاء والحماقات والسرقات، مؤكداً بأن السلاح كان متوفراً،ولا يحتاج سوى جهود مخلصة مصمّمة على شرائه.وخلص وصفي إلى القول: «لو أن عدواً لنا كلفناه بإعداد خطة لهزيمتنا،لما إستطاع أن يبدع في وضعها مثل ما أبدعنا نحن في سوق أنفسنا لهزيمة مخزية مخجلة».
• على أنه عاد ونشر سلسلة من المقالات عن أسباب فشل الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948 في صحيفة «الرأي» التي أصدرها القوميون العرب في عمان عام 1953، وفي صحيفة «الحياة» اللبنانية في عام 1955.
• ويمكن إجمال رأي وصفي بأسباب هزيمة 48 بالنقاط الرئيسية التالية:
1. جهل العرب الخرافي بالمعلومات عن العدو وإمكانياته؛ وهي الأساس في تقدير الموقف في الحرب. لقد بلغت اللامبالاة إلى حدّ أن جيشين عربيين اشتركا في الحرب، ولم يكونا يمتلكان خرائط عسكريّة لفلسطين!
2. ضعف القدرة على حشد القوى البشرية وتدريبها بسبب تعدّد الجهات المسؤولة وتنافرها وعدم التنسيق بينها، مع وجود الحساسيات والتكتلات العائلية والحزبية المتنازعة.
3. إتخاذ القرارات في الجيوش العربية بشكل منفرد وبدون تنسيق أو حتى إعلام القيادة الموحدة التي أرادها السياسيون صورية.
4. سوء الخطة الحربية العامة، بسبب الاختلافات والحساسيات؛ بحيث تمّ تعديلها بشكل جذري أكثر من 20 مرة. والواقع أن الخطة كانت نتيجة منطقية لسوء تقدير الموقف، ولضعف الاستعداد، إضافة لإهمالها لمبادئ أساسيّة في الحرب مثل تركيز الجهد وأخذ زمام المبادرة.
5. مع أن السلاح كان متوفراً لو صدقت النيّة في الحصول عليه؛ إلا أن السلاح الذي امتلكه العرب في 15 أيار 1948، كان كافياً لو تمّ استخدامه بأصول وحزم.
• وبالنهاية، خلص وصفي إلى أن الهزيمة في فلسطين كانت عسكريّة بالمقام الأول. ذلك أن العرب أرادوا فرض إرادتهم بقوة السلاح وفشلوا. وعلل سبب الهزيمة بعدم حشد القوى المتوفرة وما يمكن دفعه للمعركة بالزمان والمكان المحددين؛ فالحرب كما يراها صدام شامل بين إرادتين، مركزاً على أهمية الطاقة العقلية والإبداعية للقوى المقاتلة، وترجمتها هي السرعة والمناورة، وهما ما لم يتوفر عند الجانب العربي.
• من جانب آخر، ارتأى وصفي أن التجزئة، وهي مازالت، ركن الهزيمة الأول وعنوان الضعف أما طريق الثأر للهزيمة فواضح؛ فهو مجموع أولويات وبديهيات، أولها الوحدة، وثانيها الاستعداد. وطريق العلاج يبدأ بالوحدة ثم بالتدريب والاستعداد على الأسس نفسها والطريق نفسها التي سلكها العدو.

فكر وصفي الإستراتيجي
• بداية، من يستعرض أبحاث وكتابات ومحاضرات وندوات وصفي التل، خلال مسيرته العسكريّة والمدنية، وخاصة في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وأمثلة ذلكSadقصة جيش الإنقاذ 1950، أسباب الفشل في الحرب الفلسطينية 1953، أسباب هزيمة العرب العسكرية في فلسطين 1955، مخطط فلسطين 1963، سبل النهوض القومي 1965، دور الخلق والعقل في معركة التحرير 1966، الوجود الإسرائيلي 1969، حرب حزيران 1969، النضال والذاكرة السياسية 1969، حقائق المعركة 1970، خطة عمل 1971)؛ يجد أن هذا الجهد الكبير تركز بصورة كلية على القضيّة الفلسطينية، وكيفية الاستعداد للوقوف بوجه المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين. ولا بد أن يصل إلى استنتاج، لا بل قناعة، بأن وصفي التل كان مشغولاً ومسكوناً بهمّ وهاجس القضية الفلسطينية إلى درجة الهوس.

فلسلفة القوّة
لقد آمن وصفي بفكرة القوة والإرادة. وهذه الفلسفة لها جذور في فكرة القومي؛ فحركة القوميين العرب قامت في جانب منها على فكرة أن القيادة الواعية هي التي يجب أن تقود الناس وتعمل على توعيتهم وحشدهم لتحقيق أهداف الأمة. وعليه، فهي تؤمن بأهمية التنظيم والانضباط. ولعل تجربته العسكريّة القاسية تركت في نفسه أثاراً عميقة، ورسّخت في نفسه أهمية القوّة، وجعلته يقول: الصراع تنازع بقاء والغلبة للقوي الأصلح. من جانب آخر، يستدلّ من الكتب التي اقتناها، على أن معظم قراءاته كانت في السياسة والفلسفة والتاريخ العسكري، والتي بدورها عززت قناعته بضرورة فرض الإصلاح على المجتمع. وهذه القناعة بضرورة حشد القوه وتحضير الأمة، كانت الدافع الذي جعله يبادر دوماً بوضع الأفكار والخطط وتقديمها لأصحاب القرار والتبشير بها بدون كلل.. وهي التي دفعته لتأييد دخول الأردن في حلف بغداد، على سبيل المثال؛ حين وقف ضد تيار الدعاية وحملة التضليل الواسعة ضد الحلف، وجادل بجرأة وبوضوح، بأهمية الحلف للأردن، وأن انضمامنا له سيعمل على تقوية الأردن عسكرياً. والمنطق كان: إن دخلنا في معركة التحرير، نشارك ونحن أقوياء. وإن لم تأت المعركة؛ فنكون قد كسبنا أسلحة جديدة وجيشاً قوياً. والخلاصة، أن فكرة القوّة، وأهميّة حشد قوى الأمة، كانت واضحة لديه وتكررت في كتابات وأراء التل. ولعل أوضح دليل، هو إنه أول من أطلق تعبير «مجتمع قرطاجنة»؛ أي مجتمعها حين حاصرها الرومان، بقصد حشد كل قوى المجتمع لصالح المعركة.

حتميّة الصدام
أدرك وصفي مبكراً، بأن المشروع الصهيوني ليس مشروعاً استعمارياً تقليدياً. بل هو مشروع إحلالي؛ يهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة جغرافياً وبشرياً وجذرياً وأبدياً، والهيمنة على المنطقة بالاستغلال السياسي والاقتصادي. ولذا؛ آمن بأن الصدام مع هذا المشروع قادم لا محالة، وأن الاعتقاد بأننا يمكن تحاشي صداماً مصيرياً مع الصهيونية هو وَهْم. ليس هذا فحسب، بل دعى علناً وبجرأة إلى إزالة الخرافات والأوهام من تخطيطنا وتحديداً: (1) خرافة الحلول السلمية بشتى أشكالها وصورها (2) خرافة احتواء إسرائيل (3) خرافة الاعتماد على الضغوط الدولية والرأي العام العالمي (4) أوهام انسحاب إسرائيل من بعض الأراضي التي احتلتها دون ثمن غالٍ تكسبه، أو دون أكراه شديد لا يكون بمحض إرادتها. وبالتالي، فقد آمن دوماً بأن الحل الوحيد الصحيح، هو أن نبدأ فوراً بجعل المعركة عنوان وجود وقناعة، وحياة, وقياس حياة؛ تستحوذ كعنوان وكقناعة على وجودنا كله. على أنه في محاضرة ألقاها وصفي عام 1969 في نادي الأردن في عمان عن حرب حزيران 1967، قال في إشارة عن المفاوضات مع إسرائيل: إنه في حال انسحبت إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967 فمفاوضات الصلح يجب أن ترتكز على أساس تنفيذ قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة عام 1947. ويلاحظ إنها كانت المرة الوحيدة التي يشير فيها إلى مفاوضات. وربما يعود السبب في هذا الطرح إلى إنه لم يرغب في أن يبدو عدمياً أو متشدّداً وإنه لا يقبل قيام إسرائيل من الانسحاب من الضفة الغربية وغزة. ومع ذلك فإن اشتراطه بأن يكون هدف المفاوضات هو: العودة لقرار التقسيم حتما لن يكون مقبولاً لإسرائيل، ولذا لابد من الاستعداد للمعركة. وباعتقادي، أنه بالرغم من الإشارة اليتيمة للمفاوضات؛ فإن وصفي لم يغيّر قناعاته أبداً حتى لحظة استشهاده. والدليل على ذلك استمراره بالحديث عن المعركة والعمل على التخطيط لها حتى آخر لحظة في حياته.
عنصر الزمن: لقد ترسّخت القناعة لدى التل بأن عنصر الزمن ليس في صالح العرب. وهو الزمن المتعلق بالمعركة التي يواجهها العرب مع المشروع الصهيوني. كان يرى بأن العدو يتحرك بإستراتيجيته العظمى على مبدأ القفزات؛ يحتل ثم يناور حتى يكسب أطول وقت ممكن لتثبيت احتلاله وهضم هذا الاحتلال، ثم ينطلق للقفزة التالية. أما العرب؛ فإنهم حين يلقون السلاح بعد أي قفزة ناجحة للعدوّ، ويبتعدون عن الطريق الصحيح؛ يتحوّلون إلى دوامة الشكوك والمرارة والضياع والتنافر والاسترخاء. يضاف إلى ذلك، حين يتوقف العرب عن الصدام يتحول الزمن ضدهم، بتشعّب الاجتهادات والمسارات الجانبية، وتبدأ عملية استنزاف ذاتي؛ فنعطي بذلك العدو الوقت اللازم للاستعداد لقفزته التالية. وقد أبدع وصفي في إيجازه لفكرته عن الزمن حين قال: إن الشخص الذي يكرر خطأه، يكون الزمن ضده. والشخص الذي يسير على الطريق الصحيح يكون الزمن معه. وهكذا، دعى إلى نبذ وهم أن الزمن يعمل لمصلحتنا كعرب.

إعمال العقل
لقد اعتمد التل طوال حياته العسكرية والمدنية على تقدير الموقف، كعملية عقلية تؤسّس لاتخاذ قرار. وتقدير الموقف هو تعبير عسكري بالأساس. ويعني؛ اتباع سلسله من الإجراءات لدراسة معضلة معيّنة، تبدأ بجمع المعلومات اللازمة ثم تطوير وتحليل الحلول الممكنة لها، وصولاً إلى اختيار أفضل الحلول للمعضلة. كان يعتقد بأنه طالما أن المعركة مع إسرائيل مصيرية؛ فلابد وأن يكون تقديرها والإعداد لها في مستوى عالٍ من الفكر والموضوعية، يتناسب مع خطورتها. لذا، يجب أن يجري تقييم للمعطيات تقييماً علمياً محضاً، بعيد النظر، لا تؤثر فيه العواطف والانفعالات والاعتبارات المؤقتة قصيرة النظر. لقد عزى وصفي أسباب هزائمنا العسكرية إلى ضعف تقدير الموقف، بتجاهل الحقائق وتغليب العواطف والأهواء. ولقناعاته هذه، ركز التلّ على دور الخلق والعقل في معركة التحرير. وربما بسبب هذا النهج العقلي وصف البعض الشهيد التلّ بأنه «إمتلك عقلاً بارداً وقلباً دافئاً».
المبادرة والمناورة: أكد وصفي أهمية أخذ زمام المبادرة؛ من خلال مواجهة حقائق المعركة وحشد الجهد وتركيزه باتجاه معين. ولذا اعتبر إن من أهم أسباب هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948، هو فقدانها لزمام المبادرة مباشرة بعد دخول فلسطين، حين لجأت إلى وضعيات دفاعية ساكنة، بانتظار الهجمات المعادية، تاركةً للعدوّ حشدَ قوّاته باتجاه موقع معين، وهزيمته، ثم الانتقال بكامل القوّة لمهاجمة موقع آخر. والحقيقة، إنه كما كان وصفي مصيباً في تشخيصه لواقع الحال في حرب 1948، كذلك فإن هزيمة 1967 تعود إلى فقدان العرب جانب المبادرة. وعلى كل حال، فهو يرى إنه طالما أن الهدف من المعركة هو فرض الإرادة على الخصم؛ فإن أفضل وسيلة مباشرة هي تدمير قواته المسلحة. ولا يمكن فعل ذلك بدون المناورة التي تمنح المهاجم مرونة في الحركة، وقدرة على تركيز القوة في زمان ومكان من اختياره. وما يدعم تفكيره هذا، هو إطلاعه الواسع على الفكر العسكري، بدليل أبحاثه وكتاباته. فعلى سبيل المثال، وفي بحثه حول المفاضلة بين الدفاع والهجوم، يقول: إنه ليس هناك عملياً معركة هجومية صرفة أو معركة دفاعية صرفة. لقد أجرى مفاضلة بين مدرسة ماجينو «خط ماجينوالدفاعي» ومدرسة ليدل هارت «الإقتراب غير المباشر»؛ وكذلك بين مدرسة البلتزكريج الألمانية، التي إعتمدت على مزايا الدروع، والمدرسة الحديثة «الردع النووي». وخلص إلى الإستنتاج بأن أسس أساليب القتال لا تتبدل بإدخال أسلحه جديدة، وإنما تتكيّف على أساسها دون تبديلات جذرية. وعلى صعيد متصل، ناقش وصفي العمل على الخطوط الداخلية والخارجية ومزايا كل منها، في بداية الخمسينيات، على ضوء تجربة إسرائيل في العمل على الخطوط الداخلية في حروبها مع العرب. وفي ظني، إنه في ذلك الوقت، ربما كانت هناك قلة من العسكريين العرب ممّن يدركون هذه المفاهيم.
حرب 1967: توصل وصفي مبكراً إلى قناعة بأن إسرائيل لابد وأن تستهدف احتلال الضفة الغربية، لأسباب أولها استكمال المشروع الصهيوني وثانياً، لأهمّية الضفة الغربية من ناحية عسكرية لإسرائيل؛ كونها تخدم إسرائيل في العمل على الخطوط الداخلية في مواجهة الجبهات العربية. وقد كرّر التل تحذيراته من الانجرار إلى معركة قبل أوانها ودون استعداد. كان يرى عدم دخول حرب 1967، لأن العرب غير مستعدين للقتال، استناداً إلى القرار الذي توصلت إليه اللجنة العسكريّة وقرار مؤتمر القمة العربي الثاني في الدار البيضاء عام 1965. هذا القرار الذي أكد بأن الجيوش العربية لن تكون جاهزة قبل مرور ثلاث سنوات، ليتم خلالها تسليح وتقوية الجيوش العربية. كان وصفي شجاعاً. ولم تخدعه ادعاءات الإعلام المؤثر وصيحات الحرب من الإذاعات العربية. هذا في الوقت الذي كان فيه أغلب الأردنيين يعتقدون بأن قوة «مصر عبد الناصر» العسكريّة وقدراتها الصاروخية المزعومة (الظافر والقاهر) قادرة على إلحاق الهزيمة بإسرائيل. لم يكتفِ وصفي بإبداء الخوف على ضياع الضفة الغربية والقدس، بل قدم أفكاراً لدرء الخطر. فقد رأى إنه إذا كان لا بد من الحرب فلنواجهها بكل ما لدينا من إمكانيات. ولذا؛ اقترح خطة عامة لتطبّق حال تغيّر الموقف لصالح العدو، تقضي بالتراجع إلى القدس وحشد معظم القوات فيها، بحيث تصبح كالقلعة؛ يتم خوض حرب الشوارع فيها والصمود إلى أن تفرض الأمم المتحدة وقف القتال. واقترح أن يبدأ العمل فوراً بتكديس المؤن والذخيرة. وفي قناعته أن تنفيذ هذه الخطة سيكون كفيلاً بعدم احتلال الضفة الغربية.
حرب العصابات والعمل الفدائي: في مذكرة قدمها وصفي إلى جلالة الملك حسين عام 1969، بعنـوان «أهداف الإستراتيجية الإسرائيلية والخطة العربية المضادة لتصفية الوجود الإسرائيلي»، وفي معرض اقتراحه بتحويل الجهد العسكري الأردني من حالة رد الفعل إلى وضع فاعل؛ اقترح التلّ بأن يصبح العمل الفدائي ركناً من أركان هذه الخطة، وأن ينظم وتنشأ له قيادة عليا، وأن يتم تزويده بالتخطيط والتدريب والمال والرجال والسلاح. ورأى أن يوحّد جهده ضمن المجهود العسكري العام، ويتم تصعيد نشاطه وعملياته بحيث يصبح قادراً على التطور إلى مرحلة حرب العصابات. وإذا تم ذلك، فسوف يؤثر العمل الفدائي على العدو وسيكون مضطراً لإعلان التعبئة العامة التي ستصبح عبئاً ثقيلاً عليه. من ناحية أخرى، في الكلمة الأخيرة التي ألقاها وصفي التل في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك، الذي انعقد في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، بتاريخ 28/11/1971، وتعقيباً على تقدير الموقف العسكري، تمهيداً لوضع خطة عسكرية عربية شاملة لمواجهة إسرائيل، والذي قدمه اللواء سعد الدين الشـــاذلي (الأمين العسكري المساعد للجامعة العربية)، قال التلّ: إن هناك جبهة أساسية لم يفصلها التقرير بشكل كاف، وهي جبهة تثوير المنطقة المحتلة. وعملية التثوير هذه تخص المقاومة، وتخصنا جميعاً كعرب، وتخصنا بصورة كاملة كدول مواجهة. فإذا وضعنا خطة جيدة لذلك، وتم تنفيذها؛ سيؤدي ذلك إلى الإخلال بتوازن العدو الداخلي في الأرض المحتلة، مما سيحقق نتائج يكون من شأنها تغيّر في تقدير الموقف العام وحجم القوات المطلوبة. ومهما يكن، فلا يحتاج المرء إلى مزيد من الأدلة، لإثبات أن شخصاً بخلفية وصفي، كمقاتل وكمفكر عسكري، لا بد أن يكون بالضرورة مقتنعاً بأهمية العمل خلف خطوط العدو. لقد أيّد العمل الفدائي وكان حريصاً على أن يوجه إلى محاربة العدو داخل الأرض المحتلة، وأن لا يتدخل العمل الفدائي في الحياة اليومية، للمواطنين، أو التدخل في واجبات وأجهزة الدولة.
الأردن أولوية: بالرغم من أن وصفي اعتنق فكر القومية العربية، وكان همّه الدائم القضية القومية المركزيّة قضية فلسطين؛ إلا أنه حدث تحوّل لدى وصفي بعد هزيمة 1948. بدأ يلاحظ انقسام القادة العرب، ونشوء حالة الاستقطاب بين أنظمة ثوريّة وأنظمة محافظة، وتجذر وتغوّل فكر القطرية في العالم العربي. في ذلك الوقت، بدأ التل بالتحول الفكري التدريجي، وأصبح أكثر تشدداً في ضرورة المحافظة على الأردن واستقراره؛ إيماناً منه بأن زعزعة الكيان الأردني هو مصلحة لإسرائيل. من جهة أخرى، ولكون وصفي ليس من النوع الذي يقبل التبعية أو السير مع التيار، فقد انبرى يتصدّى لكل الزعامات التي تنتقد الأردن، قناعةً منه بأن الأردن يجب أن يكون حراً وسيد نفسه في اتخاذ القرارات وحسب قناعاته, ومؤكداً أن الأردن لم ولن يكون ظلاً لأحد. والواقع إنه توصل إلى قناعة، بعد تجربته الغنية، بأن الوطن العربي الكبير المنشود، كالبنيان، لا بد وأن يقوم على أعمدة أو روافع، وأن الواجب يقضي بأن نعمل على المحافظة على هذه الروافع وتقويتها في هذه المرحلة. وهكذا فإن الإيمان بالأردن والعمل من أجل بنائه ومنعته أصبح أولويّة، إضافة لكونه أساس الإيمان بالوطن العربي الكبير.

خواص القيادة لدى وصفي

• يكاد يجمع دارسو التاريخ العسكري، على ندرة امتلاك قائد ما، لجميع صفات القيادة. وعادة ما تكون هذه الخواص القيادية متفاوتة في درجة توفرها. ولكن قد تعوّض نقاط الضعف في إحداها بنقاط قوة في صفة أخرى. وقد توفر لوصفي التل معظم خواص القيادة، وكما يلي:

السلوك والمظهر
كان وصفي في مظهره وسلوكه، أقرب إلى عامّة الشعب منه إلى النخب؛ فكان يرتدي الملابس العادية والعملية، ويتحدث باللغة المفهومة للجميع، ويستخدم أحياناُ تعابير من الموروث الثقافي والاجتماعي الأردني، والتي كانت تلقى صدى إيجابيّا من الأغلبية. وبالرغم من تقاطيع وجهه الصارمة والعابسة، التي تعطي الانطباع بأنه رجل جافّ ولا يعرف إلاّ الجد؛ فإن أصدقاءه يجمعون على إنه كان دمثاً ويحمل مشاعر رقيقة. لكنه من ناحية أخرى كان يبدو صلباً في المواقف الصعبة والخطيرة، ولم يكن عاطفياً في أظهار مشاعره. وربما بسبب هذه التركيبة العصبية والاتزان والسواء النفسي توفرت له جاذبية «كاريزما» قيادية خاصة توحي للآخرين بالثقة.

الشجاعة
لعل صفة الشجاعة كانت الأكثر وضوحاً في شخصية وصفي التل. لقد امتلك الشجاعة بنوعيها؛ الشجاعة المادية (البدنية) والشجاعة الأدبية. فشجاعته في ميدان القتال، شهد له فيها زملائه، في معارك الجليل، والتي أصيب في أحداها، ولكنه تابع القتال. وهذه الشجاعة ظهرت كذلك في بعض المواقف في الميدان؛ حين اعترض على أوامر قيادة جيش الإنقاذ بالانسحاب من الجليل إلى لبنان، وفي محاولاته المستميتة مع المسؤولين في سوريا ولبنان، لإجبارهم على الاشتباك مرة أخرى مع العدو، وفي جولة ثانية، وفي تحريضه لضباط فوجه للانتقال إلى نابلس واستئناف القتال. أما الشجاعة الأدبيّة؛ فقد ميّزت جميع مواقفه في الحياة. لقد كان يجاهر بمواقفه رغم معارضة الكثيرين الذين كانوا يسيرون مع التيار. لقد أيّد على سبيل المثال، دخول الأردن في حلف بغداد. ووقف كذلك ضد دخول الأردن حرب عام 67، رغم المشاعر العامة الجارفة والأغلبية التي ترى العكس. وأخيراً، ألم تكن شجاعة وصفي الممزوجة بالكبرياء والعناد، هي التي جعلته، رغم التحذيرات الرسمية، يصمّم على الذهاب إلى القاهرة للمشاركة في إجتماعات مجلس الدفاع العربي، وهي المشاركة التي إنتهت بإستشهاده غِيلة؟
الإعتماد على النفس: كان وصفي شديد الثقة بالنفس. كان يجاهر بآرائه ويناقش بوضوح لا بل كان دوماً يبادر إلى ذلك، إذ كان له رأي في أي موقف؛ يشرح ويناقش ويحاور حول رأيه ليس فقط مع زملائه أو مرؤوسيه، بل حتى أمام رؤسائه. قال وصفي في مؤتمر صحفي في 7/11/1970، حول المعركة عنوان الوجود الأردني: «إذا كنت شخصياً قد عانيت بعض الشيء في كل المراحل التي تشرفت فيها بحمل المسؤولية، فإنني قانع بأن سبب تلك المعاناة، هو إصراري على التمسّك بالوضوح في كل شيء؛ الوضوح في تفكيري وأفكاري، والوضوح في عملي وخطواتي. وهو إصرار، أحب أن أؤكد على تشبّثي فيه، وإيماني الذي لا حد له، بصحته وجدواه». إن هذا القول يوضح بدقة مدى ثقته بنفسه. وفي رأيي، ليس أدل على ثقته بنفسه أنه كان أكثر رئيس حكومة عقد ندوات مفتوحة مع المواطنين حول مختلف المواضيع ومختلف القطاعات، أثبت خلالها أنه محاور من طراز مميّز.

الجلد
كان التل، بشهادة كلّ من عرفه، يملك طاقة هائلة على العمل الذهني والبدني. كان يبدأ العمل في بعض الأحيان من الصباح الباكر حتى ساعة متأخرة من الليل، مكتفياً بأكل ما تيسّر وهو يعمل بدون كلل. والأهم، إنه كان قادراً على العمل تحت الضغط. شهد المرحوم الشريف عبد الحميد شرف بأن لديه طاقه كبيرة من صفاء الذهن، إذ قال: «إن وصفي كان يشترك في اجتماعات طويلة تعالج قضايا بغاية الأهمية، ثم ينتقل مباشر، إلى اجتماعات مجلس الوزراء، ويبدأ الدخول في قضايا أخرى، بصورة تبدو وكأنها تستحوذ على كل إهتمامه».
الإبداع الذاتي: آمن وصفي بأهمّية الإبداع لدى مخططي الحرب. ويرى بأن المعركة التي يراد التخطيط لها لا يمكن أن تكون نسخة طبق الأصل عن معركة غيرها، لأن المعطيات تتغير. لذلك، من الخطأ إلتماس الإجابات في تقليد أساليب كانت صالحة في معارك معينّة. وعليه، فلا بد أن يكون أسلوب معركتنا جديداً ومبتكراً ومبدعاً. كما ولاحظ أن القادة الصغار في جيش العدو يتدربون على ممارسة الإبداع الذاتي. ويتم إعطاؤهم قدر من الحرية في اتخاذ القرار حسب التطورات الميدانية، على العكس من الجيوش العربية. لقد ظهرت صفة الإبداع الذاتي لدى وصفي بصورة جليّة، في الكثير من الإنجازات النوعية أثناء توليه مواقع المسؤولية المختلفة. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل أهمها: تطوير أداء الإذاعة الأردنية، إضفاء الطابع الأردني على الأغاني، قانون خدمة العلم، تجربة معسكرات الحسين للعمل والبناء، وتجربة غرس الأشجار المثمرة والحرجية.

المعرفة
كان وصفي شغوفا بالمطالعة طوال حياته. ولعل دراسته للعلوم والفلسفة عبّرت عن ميوله وعكست طريقة تفكيره. ومع ذلك، كانت مطالعاته تشمل سِيَر البطولات وفي السياسة والفلسفة والتاريخ العسكري. وهناك العديد من الأدلة من أحداث ووقائع تثبت أنه كان يطالع كل ما هو حديث، حيث كان يناقش ويتبادل الكتب الحديثة مع بعض قادة الفدائيين ومع بعض ضباط الجيش المثقفين. والأهم أنه رُوِيَ أن وصفي كان ينوي تأليفَ كتاب حول مبادئ الحرب ونظرياتها.
النزاهة والإستقامة: عاش وصفي فقيراً ومات فقيراً، رغم وجوده في مواقع تهيّء لمن يريد استغلالها ثروة كبيرة. روى عنه زملاء عملوا معه في ضريبة الدخل، إنه كان دائماً في حالة عوز. وكان يستدين ثمن علبة السجائر. وقد ازداد إعجابهم به عندما عرفوا بأنه يساعد آخرين محتاجين من راتبه. قال عنه زميل آخر: «كانت نظافة يده فوق حدود التصور، بينما كان المجال أمامه واسعاً للإثراء». ليس هذا فحسب، بل إنه قام بشراء الأرض التي بنى عليها بيته غرب صويلح بالتقسيط لمدة عشر سنوات من السيد فهد العبداللات. وبدأ البناء عليها بغرفتين تم الإضافة إليها فيما بعد، وبمساعدة زوجته. وإجمالاً، توفي وعليه دين يقارب 94 إلف دينار معظمها لمؤسسة الإقراض الزراعي أنفقها على إنشاء مزرعته في منطقة الحلابات.

الحزم والعدل
كثيرة هي المواقف التي تدل على صفتي الحزم والعدل عند وصفي، والتي تبعث شعور الثقة لدى من حوله، حين يرون أمامهم نموذجاً في الشموخ والثبات، سيما في المواقف الصعبة. بعد انتهاء مراسم تشييع الشهيد هزاع المجالي، قال لموظفي الإذاعة: «لقد فقدنا هزاع. ولكن الأردن ما يزال هو هو. علينا أن لا نظهر أي نوع من التخاذل.
وليكن شعارنا: أذا مات منا سيد قام آخر. إن خير ما نرد به على الأشرار؛ أن نمضي في طريقنا بكل صلابة وثبات». وهناك موقف آخر يحمل دلالة الحزم، وذلك عندما أراد عمل دوام الدوائر الحكومية على فترتين، قبل الظهر وبعده، أسوة بالعديد من الدول المتقدمة، فاعترض بعض وزرائه بحجة أن الموظفين سيكرهونك، فرد وصفي: لاتهمني كراهيتهم، إذا كان الشعب يستفيد من ذلك، وعندما أخرج من الوزارة أستطيع أن أفتح دكاناً.
فرد وزير آخر، ممازحاً، إنك لن تجد من يشتري منك. فضحك وصفي وقال هذا لا يهم. من جهة أخرى، فهناك الكثير من الوقائع التي يعرفها الكثيرون التي تدل على صفة العدالة عند وصفي. فهو لم يحابِ صديقاً أو قريباً بل كان يؤمن بالكفاءة. ويروى أن أحد زملائه الوزراء، رشح له شخصاً ليعين سفيراً، مؤكداً على حسن أخلاقه واستقامته. فما كان من وصفي إلاّ أن أجاب: إذا كان فاضلاً أميناً فيمكنك مصاهرته.
لكننا لن نعيّنه سفيراً. وأكثر من ذلك، تم الاستغناء عن خدمات صديقه وصديق والده الدكتور صبحي أبو غينمة في عهده، في قضيه تتعلق بدعم قرارات المؤسسية. وهذا لم يمنع وصفي من أن يسير بجنازته وأن يحزن لفراقه. وفي موقف آخر، حين تشكلت لجنة في وزارة الخارجية لإعداد قوائم بالموظفين الذين لا يحملون مؤهلات جامعية لنقلهم إلى مواقع أخرى. وأثناء بحث الموضوع في مجلس الوزراء، لفت أحد الوزراء النظر، إلى أن أحد أعضاء اللجنة لا يحمل شهادة جامعية. حينها إرتأى وصفي أن ينقل مع الآخرين؛ فدافع البعض عنه بسبب كفاءته وخبرته الطويلة. فأجاب وصفي: إن هذا الشخص صديق لي. ولكن المسألة مسألة مبدأ. ولا يمكن أن أوافق على أي إستثناء. ولم يتردّد في تطبيق العدالة.

الحماس
كثيرة هي المواقف والأفعال في حياة وصفي التي تدل على حماسته منقطعة النظير. لم يتردد في معارضته لأمر إنسحابه من الجليل وإلحاحه على متابعة القتال. وحتى فيما بعد، حاول باستماتة إقناع القادة بالاشتباك في جولة جديدة من القتال. وكانت هي السبب المباشر في وضعه بالسجن وإبعاده بعد ذلك. وحماسه هو الذي كان الدافع وراء الكتابة حول ما يعتقد إلى كل المسؤولين؛ فعندما كان يعمل مستشاراً في السفارة الأردنية في ألمانيا، كتب على سبيل المثال إلى جمال عبد الناصر في عام 1956، يعرض عليه الاستعداد للاشتراك في القتال ضد العدوان الثلاثي. وفي عام 1958، كتب إلى فاضل الجمالي، وزير خارجية العراق حينذاك، يقترح عليه إرسال نجدة من المقاتلين إلى الجزائر دعماً للثوار، مبدياً استعداده للمشاركة بها. والحقيقة، أن وصفي اعتاد على كتابة المذكرات والرسائل إلى كبار المسؤولين، يحلل فيها الأوضاع، ويقترح فيها الحلول. وبشكل خاص، كان يكتب إلى جلالة الملك حين يكون خارج الحكومة. هذه كلها دلائل على حماسه منقطع النظير تجاه قضايا الأردن والقضايا العربية.
الإخلاص: أن مجمل سيرة وصفي وعمله الدؤوب بدون كلل، بإنجازاته العديدة في المجالات المختلفة، وفي كل المواقع التي عمل بها وصولاً إلى رئاسة الحكومة؛ تدل على إخلاصه الكبير والعميق لبلده ولقضايا أمته العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ولا أدل على ذلك من قول المغفور له الملك حسين، في مساء يوم إستشهاده: «عاش وصفي جندياً منذوراً لخدمة بلده وأمته؛ يكافح بشرف ورجولة من أجلها.. وقضى كجندي باسل فيما هو ماضٍ بالكفاح في سبيلهما برجولة وشرف». هذه شهادة حق؛ إذ أن وصفي أعطى عمره للأردن.

وصفي ومبادئ الحرب
• من يقرأ بتمعّن أبحاث وصفي التل وكتاباته ومحاضراته حول القضية الفلسطينية؛ أسباب هزائمنا العسكرية، وأساليب الاستعداد لمعركة التحرير؛ يجد، بدون شك، إنه انطلق من فهم عميق لمبادئ الحرب كونها حصيلة تجارب الآخرين. وسأعرض هنا إيجاز ما قاله أو آمن به حول مبادئ الحرب.
الحشد: كان إدراك وصفي وإيمانه بأهمية وضرورة حشد القوة، بالمعنى الواسع: الحشد الاستراتيجي؛ أي حشد قوة المجتمع وتحضير الأمة للحرب. وبالمعنى الضيّق والعسكري؛ حشد القوّات الكافية، لمواجهة المشروع الصهيوني. وعملياً، تبنى وصفي برامج وخطط، ونفذ بعضها، بهدف حشد قوى المجتمع للمعركة. فهو الذي قال بأن الحشد العسكري أساسه حشد مادي وعدالة اجتماعية واقتصادية. وبالمعنى الفني العسكري؛ فقد وجه اللوم للعرب لعدم بذلهم جهد حقيقي لحشد القوات الكافية رغم توفرها. فقد عزى هزيمة جيش الإنقاذ إلى هذا السبب وجادل بأن عذر قلة الجنود غير صحيح. كما إنه أوضح بشكل جلي أن سبب هزيمة الجيوش العربية هو عدم حشدهم لإمكانياتهم ودفعها للمعركة لأسباب عديدة. لقد لخص وصفي بدقة رأيه في أهمية مبدأ الحشد، في محاضرته بالجامعة الأردنية عام 1970 حين قال: «يجب أن ينفي هذا الفهم – فهم علم ومنطق الحرب – عن تفكيرنا وتخطيطنا كل الآمال والأوهام الشاعرية، بأنه يمكن خوض المعركة دون حشد شامل محسوب دقيق فعلي، أو خوض المعركة بقوى أو إعداد أو إمكانيات لم يوصلها اللوجستيك إلى مكان المعركة وزمانها».
إدامة القصد (الهدف) : لعل أوضح دليل على إيمانه وقناعته بأهمية المحافظة على الهدف، هو ما ورد في خطه العمل التي وضعها عام 1971، مع فريق من وزرائه. ورد تحت بند ملامح خطة العمل، أولاً: عنوان خطة العمل: المعركة، ما يلي «ما

المحامي حسن الطراونة
Admin

عدد المساهمات : 312
تاريخ التسجيل : 14/05/2010
الموقع : hasan-tr.alafdal.net

http://hasan-tr.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى